مقالات

المعز مجذوب يكتب : المجلس الاعلي للسلم الاجتماعي

 

 

 

المعز ٢في لحظةٍ وطنية دقيقة، حيث تتشابك التحديات وتتعاظم الأسئلة حول مستقبل الانتقال، جاء إنشاء المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي خطوةً تأسيسية تعكس فقه الدولة لا انفعال المرحلة. لم يكن قرارًا عابرًا في سياق إداري، بل كان إعلانًا بأن السلم الاجتماعي هو المدخل الحقيقي لأي تحولٍ سياسي رشيد.

لقد أحسن دولة رئيس الوزراء كامل الطيب إدريس قراءة المشهد، فأدرك أن بناء المؤسسات لا يكتمل دون بناء الثقة، وأن الانتقال لا يستقيم إذا تُرك النسيج الاجتماعي عرضةً للتشظي. ومن هنا، كان تأسيس المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي بمثابة وضع حجر الأساس لمشروع وطني يتجاوز اللحظة إلى المستقبل.

واختيار الأستاذ النور الشيخ النور لرئاسته لم يكن مجرد تكليف إداري، بل رسالة بأن المرحلة تحتاج إلى قياداتٍ ميدانية قادرة على مخاطبة العقول والقلوب معًا. فهو يمثل اليوم روح حكومة الأمل، ويتحرك بثبات بين المكونات الاجتماعية، جامعًا لا مفرقًا، ومبادرًا لا منتظرًا.

غير أن السلم الاجتماعي لا يكتمل ما لم تمتد جسوره إلى الجامعات؛ فهي مصانع الوعي، ومنابر الحوار، وحواضن الأجيال التي ستقود الوطن غدًا. إن الجامعات ليست مجرد قاعاتٍ للدرس والامتحان، بل ساحاتٌ لتشكيل الفكر، وبناء ثقافة التعايش، وترسيخ قيم الاختلاف الإيجابي.

ومن هنا، فإن إشراك الجامعات – إداراتٍ وأساتذةً وطلابًا – في برامج المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي يمثل خطوة استراتيجية عميقة. فحين تتحول الجامعات إلى منصاتٍ للحوار الوطني، وورشٍ لتعزيز ثقافة السلام، فإننا نحصّن المجتمع من جذور الانقسام قبل أن يتحول إلى صراعٍ في الشارع.

لقد ظل المجلس، منذ إنشائه، من أكثر مؤسسات الدولة حراكًا وسط المجتمع بكل مكوناته، غير أن الرهان الحقيقي يكمن في استدامة هذا الحراك، وربطه بالمؤسسات الأكاديمية والبحثية، لتقديم دراساتٍ علمية، ومبادراتٍ شبابية، ومشروعاتٍ مجتمعية تدعم الانتقال وتحصنه.

إن تمكين المجلس بالإمكانيات والبيئة الداعمة، وفتح أبواب التعاون مع الجامعات، سيجعل منه أحد أعمدة الاستقرار، وصمام أمانٍ حقيقي في زمن التحولات.

فالدول تُبنى بالقوانين،
وتترسخ بالمؤسسات،
لكنها تستمر حين يصبح السلم الاجتماعي ثقافةً في العقول قبل أن يكون قرارًا في الدواوين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى