مقالات

دكتور جاد الله فضل المولي يكتب :  العودة العكسية… إرادة تتحدى الغربة

نقطة ارتكاز

 

 

لم تكن رحلة النزوح واللجوء التي فرضتها الحرب في الخامس عشر من أبريل عام ألفان ثلاثة وعشرون ميلادية مجرد انتقال قسري من أرض إلى أخرى، بل كانت اقتلاعاً من الجذور، وحرماناً من المأوى والوثائق والمال وحتى أبسط ضروريات الحياة. سنوات من اللجوء في الغربة القاسية حملت معها فقد الأرواح وضياع الممتلكات والمدخرات، لكنها لم تكسر إرادة المواطن السوداني الذي ظل صابراً، مترقباً لحظة الانفراج. واليوم، مع انكشاف الغمة جزئياً، بدأت ملامح العودة العكسية تتشكل، حيث يعود من استطاع إلى دياره، فيما ينتظر آخرون دعم الدولة ليتمكنوا من العودة الكريمة.

العودة ليست مجرد شعار أو نداء عاطفي، بل هي مسؤولية وطنية تتطلب إجراءات عملية وتسهيلات واضحة. فالمواطن الذي فقد كل شيء يحتاج إلى دولة تحتضنه، وتعيد له بعضاً مما سُلب منه. المطلوب بعد عيد الفطر أن تتحرك الجهات المختصة بخطط مدروسة، تبدأ بتشكيل لجان وتسيير رحلات جوية لكبار السن والمرضى، ورحلات برية للراغبين، مع توفير الدعم اللوجستي والمالي.

التسهيلات التي يطالب بها المواطنون ليست مستحيلة، بل ممكنة إذا خلصت النوايا وتضافرت الجهود. تخفيض رسوم استخراج الجوازات والوثائق، معالجة أوضاع السودانيين في السجون والمعتقلات بدول اللجوء، إعفاءات جمركية محددة للأثاثات والأجهزة للاستعمال الشخصي، وتأهيل المطارات والمعابر لاستقبال العائدين، كلها خطوات ضرورية. كذلك، فإن زيادة الأطقم الجمركية والهجرية والصحية والأمنية لتسريع الإجراءات، وتخفيض رسوم الطيران والبصات السفرية، وإعلان أسعار تشجيعية من شركات الطيران، ورفع أوزان الأمتعة المسموح بها، كلها إجراءات تعكس جدية الدولة في إعادة مواطنيها.

ولا يقل أهمية عن ذلك وضع ضوابط لحماية الشحنات وضمان وصولها بسرعة وأمان، إلى جانب مبادرات رجال المال والأعمال لتسيير رحلات مجانية لغير المقتدرين. فالمسؤولية هنا جماعية، تتطلب تضافر الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، لإعادة بناء الثقة بين المواطن ووطنه.

إن اللاجئين السودانيين يتطلعون إلى عودة كريمة تعيد لهم بعضاً مما فقدوه، ويعلقون آمالهم على الله أولاً ثم على الدولة وجهات الاختصاص. العودة ليست مجرد رحلة إلى الوطن، بل هي استعادة للكرامة، وبداية جديدة على أرضٍ نزفوا من أجلها، ويستحقون أن يعيشوا فيها بسلام وأمان.

إنّ العودة الطوعية ليست مجرد رحلة إلى الوطن، بل هي استعادة للكرامة وبداية جديدة على أرضٍ نزفنا من أجلها. الدولة مطالَبة اليوم أن تتحرك بخطط واضحة وإجراءات عملية، لا بوعود عامة، لتسهيل عودة مواطنيها الذين أنهكتهم الغربة القسرية. والمواطن بدوره مدعو لأن يجعل من هذه العودة واجباً وطنياً، يشارك فيه بوعي وصبر وإصرار، ليعيد بناء ما تهدّم ويستعيد ما سُلب. إنّها لحظة تاريخية تستدعي أن تتضافر الجهود بين الدولة والمجتمع، بين المؤسسات والأفراد، ليعود السودان بأهله، ويعود أهله إلى السودان، عودةً كريمةً تليق بتضحياتهم وصبرهم… عودةً تحمل الأمل وتفتح أبواب الغد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى