مقالات

دكتور جاد الله فضل المولى يكتب : قمة الدوحة… بياناً يتحوّل إلى فعلٍ عربيٍ مشترك

نقطة إرتكاز

 

خرجت القمة العربية في الدوحة ببياناً ختامياً حمل تطلعاتٍ واسعةً نحو مستقبلٍ عربيٍ أكثر تماسكاً وفاعليةً، لكن السؤال الأهم يبقى:كيف يمكن ترجمة هذا البيان إلى واقعٍ ملموسٍ ينعكس على حياة الشعوب؟ إنّ المتابعة الجادة لمخرجات القمة لا تبدأ وتنتهي في قاعات الاجتماعات، بل تتطلب آلياتاً مؤسسيةً، وتنسيقاً سياسياً، وتمويلاً وطنياً، وإرادةً جماعيةً لا تعرف التراخي.

تبدأ المتابعة عبر الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، من خلال تشكيل لجانٍ وزاريةٍ وفنيةٍ تتولى تنفيذ البنود، مثل لجنةٍ للأمن الغذائي وأخرى للتنسيق الدبلوماسي، إلى جانب إصدار قراراتٍ تنفيذيةٍ من مجالس وزراء الخارجية والاقتصاد، وتقديم تقاريرٍ دوريةٍ تقيّم التقدم وتكشف التحديات.

أما التنسيق الثنائي ومتعدد الأطراف، فيُعدّ ركيزةً أساسيةً لتفعيل المبادرات الكبرى، من خلال توقيع اتفاقياتٍ تعاونٍ في مجالات الطاقة المتجددة والتجارة الرقمية، وعقد منتدياتٍ ومؤتمراتٍ متخصصةٍ، وتبادل الخبرات في الأمن والبيئة والصحة، بما يعزز التكامل ويكسر الجمود.

ويأتي الضغط الدبلوماسي والإعلامي كأداةٍ استراتيجيةٍ لتثبيت المواقف العربية في المحافل الدولية، حيث يُستخدم البيان الختامي كوثيقةٍ مرجعيةٍ في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتُطلق حملاتٌ إعلاميةٌ موحدةٌ لتسليط الضوء على القضايا العادلة، وعلى رأسها دعم فلسطين وإدانة العدوان الإسرائيلي، مع مراجعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الدول المنتهكة للقانون الدولي.

ولا يمكن تنفيذ أي بندٍ دون تمويلٍ محليٍ واضحٍ، إذ يتطلب الأمر تخصيص ميزانياتٍ وطنيةٍ لدعم المبادرات، وإشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني في تنفيذ البرامج التنموية، وإنشاء صناديقٍ عربيةٍ مشتركةٍ لتمويل المشاريع الكبرى، مثل الأمن الغذائي والتحول الرقمي.

وأخيراً، لا تكتمل منظومة التنفيذ دون قياسٍ ومساءلةٍ، عبر وضع مؤشراتٍ أداءٍ دقيقةٍ، وإجراء مراجعاتٍ سنويةٍ، وفرض آلياتٍ للمساءلة السياسية والاقتصادية على الدول التي تتخلف عن الالتزامات، لضمان أن لا يبقى البيان حبراً على ورق.

إنّ تحويل البيان الختامي لقمة الدوحة إلى فعلٍ عربيٍ مشتركٍ ليس مهمةً سهلةً، لكنه ممكنٌ إذا توفرت الإرادة وتحرّكت المؤسسات وتوحدت الرؤى. فالتاريخ لا يكتب بالبيانات، بل بالأفعال التي تصنع الفرق وتبني المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى