
في زمنٍ تتسارع فيه الشائعات أكثر من الحقائق، تداول الناس مقطعاً لرجلٍ يدّعي أن المريسة قد عالجته من حمى الضنك. وبين تصفيق البعض وسخرية الآخرين، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن لمشروبٍ تقليديٍّ مخمّرٍ أن يكون علاجاً لمرضٍ فيروسيٍّ خطير؟ وهل نحن أمام اكتشافٍ شعبيٍّ أم خرافةٍ جديدةٍ تُضاف إلى سجل التضليل الصحي؟
حمى الضنك مرضٌ فيروسيٌّ يُنقل عبر البعوض، ولا يوجد له علاجٌ دوائيٌّ مباشرٌ حتى الآن. كل ما يقدمه الطب هو دعمٌ للجسم بالماء، وخفضٌ للحمى، ومراقبةٌ دقيقةٌ للمضاعفات. أما المريسة، فهي مشروبٌ تقليديٌّ مصنوعٌ من الذرة أو الدخن، تختلف قيمته الغذائية حسب طريقة التحضير ودرجة التخمير. تحتوي على كربوهيدرات، وبعض الفيتامينات والمعادن، وقد تحمل بكتيريا نافعةً في حال التخمير الطبيعي. لكن لا شيء في تركيبها يُشير إلى قدرةٍ علاجيةٍ ضد فيروس الضنك.
ما حدث في الفيديو ليس معجزةً، بل تفسيره أقرب إلى المنطق: الرجل شرب كمياتٍ كبيرةً من السوائل، حصل على طاقةٍ من السكريات، وهدأ جسده بفعل الكحول الموجود في المريسة. جهازه المناعي أكمل المهمة، فشعر بالتحسن. لكن هذا لا يعني أن المريسة كانت العلاج، بل أن الجسم قاوم، والمشروب ساعده في الأرواء فقط. بل إن الكحول قد يُضعف المناعة ويُجهد الكبد، وهو ما يجعل المريسة خطراً في حالات الضنك، لا دواءً.
في لحظات المرض، يحتاج الناس إلى الأمل، لكن الأمل لا يجب أن يُبنى على الوهم. الترويج لمشروباتٍ تقليديةٍ باعتبارها علاجاً دون سندٍ علميٍّ يُعرض حياة الناس للخطر، ويُضعف الثقة في الطب. المريسة ليست علاجاً، بل مشروبٌ شعبيٌّ له خصوصيته، لكن لا يجب أن يُحمّل ما لا يحتمل.
وقد ورد في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم ، كما جاء في حديثٍ آخر إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داءٍ دواء، فتداووا ولا تداووا بحرام، وهي نصوصٌ نبويةٌ تؤكد أن الشفاء لا يكون في المحرمات، وأن التداوي يجب أن يكون ضمن حدود ما أباحه الله.
دعونا نُعيد الاعتبار للعلم، ونُحارب الخرافة بالوعي، ونُدرك أن الشفاء لا يأتي من التخمير، بل من التشخيص الصحيح والرعاية الطبية السليمة. المريسة قد تروي العطش، لكنها لا تُشفي من الضنك. والوعي هو الحصن الأول ضد المرض… وضد التضليل.حفظ الله السودان وشعبه من كل فتنة ومن كل طامع في أرضه وكرامته.


