دكتور جاد الله فضل المولى يكتب : كاميرا من وهم وابتسامة من ذهب

في ركنٍ ناءٍ من الريف السوداني، حيث لا تصل عدسات الإعلام ولا تعبأ المنصات الرقمية، وقف خمسة أطفال على طريق ترابي، يضحكون من أعماق قلوبهم، ويتشاركون لحظة من السعادة الخالصة. أحدهم رفع حذاءه كما لو كان هاتفاً ذكياً، يتظاهر بالتقاط صورة سيلفي، بينما الآخرون يضحكون ويشاركونه التمثيل. الكاميرا مزيفة، نعم… لكنها لم تكن عائقاً أمام فرح حقيقي، نابع من براءة الطفولة وروح الجماعة.
في عالمٍ غارق في الاستعراض، حيث تُقاس السعادة بعدد الإعجابات، وتُوثق اللحظات بعدسات باهظة الثمن، يأتي هؤلاء الأطفال ليعيدوا تعريف الفرح. لا يحتاجون إلى تقنيات متقدمة، ولا إلى خلفيات مصممة بعناية. يكفيهم لحظة صدق، ورفقة صافية، وخيال خصب يحوّل الحذاء إلى كاميرا، والطريق الترابي إلى منصة عرض.
الصورة التي التُقطت لهم، وإن كانت بكاميرا حقيقية هذه المرة، لم تكن عن جودة العدسة، بل عن جودة اللحظة. إنها شهادة على أن السعادة لا تُشترى، ولا تُصنع، بل تُولد من أبسط الأشياء: من ضحكة، من لعبة مرتجلة، من شعور بالانتماء.
هؤلاء الأطفال لا يملكون الكثير، لكنهم يملكون ما هو أثمن القدرة على الفرح رغم كل شيء. في وجوههم، نرى تحدياً صامتاً لكل من يربط السعادة بالمادة، ولكل من يظن أن الفقر يعني الحزن. هم لا يطلبون الشفقة، بل الاحترام. لا يريدون عدسات تراقبهم من بعيد، بل قلوب تفهمهم عن قرب.
في زمنٍ باتت فيه الصور تُعد مسبقاً، وتُفلتر وتُصمم لتُرضي جمهوراً افتراضياً، تبرز هذه اللحظة كصرخة في وجه الزيف. الكاميرا مزيفة… لكن السعادة، كما في وجوههم، حقيقية، نقية، لا تعرف التزييف.
في واقعٍ سوداني مثقل بالتحديات، بالحزن والضيق، نحتاج إلى كاميرا من نوع آخر. كاميرا لا تكتفي بالتوثيق، بل تُعيد تشكيل المشهد، تُضيء الزوايا المعتمة، وتمنحنا القدرة على رؤية الجمال وسط الركام. نحتاج إلى عدسة تُشبه هؤلاء الأطفال، تُحول الحذاء إلى أداة فرح، والتراب إلى منصة أمل.
هؤلاء الأطفال لا ينتظرون أن يُكتب عنهم، لكنهم يستحقون أن يُحتفى بهم. لأنهم، ببساطة، يُذكّروننا بما نسيناه: أن السعادة لا تحتاج إلى كاميرا، بل إلى قلب حي، وإرادة لا تنكسر، حتى في أحلك الظروف.
في السودان، حيث تتقاطع الأحلام مع الألم، تظل هذه الصورة نقطة ارتكاز، تذكرنا أن الفرح ممكن، وأن الأمل لا يُصنع في الاستوديوهات، بل في الطرقات، بين ضحكات الأطفال، وفي لحظات الصدق التي لا تعرف التزييف.


