المعز مجذوب يكتب : عن زيارة البرهان لقطر

في زمنٍ تختلط فيه الأصوات، وتُزوَّر فيه المواقف، وتُشترى فيه الضمائر على موائد المصالح الضيقة، تأتي بعض الكلمات لا لتُقال، بل لتُسجَّل في دفاتر التاريخ. ومن هذا الباب يخرج تصريح رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان عبد الرحمن، موجِّهاً شكره وتقديره وامتنانه لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، على كرم الضيافة وحفاوة الاستقبال، وتأكيد التزامه بدعم الشعب السوداني ومؤسساته الشرعية.
هذه ليست مجاملة بروتوكولية، ولا خطاب علاقات عامة، بل رسالة سياسية واضحة المعالم، تُقرأ في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد. رسالة تقول إن السودان – رغم الجراح، ورغم محاولات العزل والتشويه – ما زال حاضراً، وما زالت له مؤسسات شرعية يُعتد بها، وما زال يملك أصدقاء يعرفون معنى الدولة، لا معنى الفوضى.
قطر، حكومةً وشعباً، لم تكن يوماً دولة مواقف رمادية تجاه السودان. فمن دارفور إلى الخرطوم، ومن ملفات السلام إلى دعم المؤسسات، ظل الحضور القطري ثابتاً، هادئاً، بعيداً عن الضجيج، لكنه حاضر حيث يجب أن يكون الحضور. ولذلك لم يكن غريباً أن يصف القائد العام هذا الموقف بأنه “ديدن قطر”، فالديدن لا يُصنع في لحظة، بل هو سلوك متراكم يشهد له الزمن.
وفي المقابل، فإن تأكيد دعم المؤسسات الشرعية ليس تفصيلاً عابراً، بل هو حجر الزاوية في معركة السودان الكبرى اليوم: معركة الدولة ضد اللادولة، ومعركة الشرعية ضد محاولات القفز على الواقع عبر منصات الوهم وخطابات الارتزاق السياسي. من هنا، تكتسب الكلمات وزنها الحقيقي، لأنها تُقال في وجه من يريدون اختزال السودان في ميليشيا، أو اختطاف صوته عبر منابر الخارج.
إن ما جرى في الدوحة ليس مجرد زيارة، بل إعادة تموضع ذكي للسودان في فضاء العلاقات المتوازنة، ورسالة بأن الجيش – بوصفه عمود الدولة الفقري – لا يتحرك في فراغ، ولا يدار بردود الأفعال، بل بعقل الدولة، وبحسابات السيادة والمصلحة الوطنية.
حبر هذه الكلمات ليس بارداً…
هو حبر من نار، لأنه كُتب في لحظة اختبار، ويُقرأ في زمن فرز، وسيبقى شاهداً على أن السودان، مهما اشتدت عليه العواصف، يعرف من يقف معه، ويُحسن تسمية الأشياء بأسمائها



