هل بدأت واشنطن صياغة اتفاق سلام جديد في السودان؟
تقرير : فجر السودان
في تطور سياسي لافت يعكس تحولات في الموقف الدولي تجاه الأزمة السودانية، كشفت تسريبات عن أن لقاء جمع رئيس مجلس السيادة السوداني وقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان بالمبعوث الأمريكي الخاص لأفريقيا، مسعد بولس، في مدينة جنيف السويسرية، تضمن طرح مقترح أمريكي جديد لوقف الحرب الدائرة في السودان. المقترح، وفقًا لما ورد في التسريبات، يستند إلى خطة متعددة المراحل تبدأ بوقف شامل لإطلاق النار، يعقبه السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى المناطق الأكثر تضررًا من النزاع، وعلى رأسها مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي تعاني من حصار مستمر منذ أكثر من عام من قبل قوات الدعم السريع.
الزيارة التي قام بها البرهان إلى جنيف أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، حيث شكك البعض في حقيقة انعقاد اللقاء ذاته، في ظل غياب إعلان رسمي واضح من الطرفين. إلا أن ما رشح من معلومات حول الاجتماع يشير إلى أن الولايات المتحدة بدأت في التعامل المباشر مع ملف السلام في السودان، بعد أن ظلت تعتمد على حلفائها الإقليميين، مثل مصر والسعودية والإمارات، في إدارة هذا الملف خلال الفترات السابقة.
وبحسب التحليلات السياسية، فإن المقترح الأمريكي لا يقتصر على وقف القتال فقط، بل يشمل أيضًا البحث عن حلول سياسية للأزمة، من خلال استعادة المسار المدني للانتقال الديمقراطي، والسعي إلى تحقيق الحد الأدنى من التوافق بين القوى السياسية المختلفة، رغم تباين مواقفها تجاه الحرب. كما تشير التسريبات إلى أن قائد الجيش السوداني أبدى رفضًا واضحًا لأي صيغة تتضمن عودة قوات الدعم السريع إلى المشهد السياسي، مؤكدًا على ضرورة تفكيك هذه القوات ومحاسبة قياداتها.
في المقابل، نفت قوات الدعم السريع تلقيها أي دعوة رسمية للقاء المبعوث الأمريكي، ووصفت ما تم تداوله بشأن مشاركتها في اللقاء بأنه مجرد شائعات لا أساس لها من الصحة.
المحلل السياسي والكاتب عبد العظيم حسن، وفي تصريحاته لصحيفة “التغيير”، اعتبر أن لقاء البرهان بمسعد بولس يعكس تحولًا في موقف واشنطن تجاه الأزمة السودانية، حيث انتقل الملف من الهامش إلى صدارة الاهتمام الأمريكي، بعد أن تبين للإدارة الأمريكية أن العقوبات التي فرضتها على طرفي النزاع لم تحقق النتائج المرجوة، خاصة مع دخول الحرب عامها الثالث. وأوضح حسن أن هذا التحول بدأ يتجلى من خلال جولات وزير الخارجية الأمريكي في عدد من العواصم الإقليمية، مثل الرياض والدوحة وأبوظبي، والتي تناولت بشكل مباشر تطورات الحرب في السودان، إلى جانب تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب التي شدد فيها على ضرورة إحلال السلام في البلاد، وزيارة وفد استخباراتي أمريكي إلى مدينة بورتسودان ولقائه بقيادات جهاز الأمن والمخابرات السوداني.
وأشار حسن إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى وضع إطار عام للاتفاق السياسي في السودان، بما يضمن تفادي التداخلات الإقليمية، خصوصًا بين مصر والإمارات، وهو ما يفسر الطوق من السرية الذي فرضته واشنطن على تفاصيل المفاوضات التي جرت مع البرهان، مع ترك التفاصيل الدقيقة لتدخلات الوسطاء ضمن الآلية الرباعية المعنية بالملف السوداني.
وفي تحليله للموقف الأمريكي، أكد حسن أن واشنطن لا ترغب في منح أي دور سياسي مستقبلي لقوات الدعم السريع، لكنها في الوقت ذاته تتحفظ على مشاركة الإسلاميين في العملية السياسية، وهو ما قد يشكل نقطة خلاف جوهرية مع الجيش السوداني، الذي يرى أن التخلي عن حلفائه الإسلاميين قد يهدد الأمن القومي. وخلص إلى أن الولايات المتحدة ستواصل استخدام سياسة العصا والجزرة في إدارة النزاع، كما فعلت مؤخرًا في ملف أوكرانيا، مشيرًا إلى أنه إذا تم التوصل إلى تفاهمات أولية، فإن الأزمة السودانية قد تشهد انفراجًا قبل نهاية العام الجاري.
في سياق التفاعلات السياسية التي أعقبت اللقاء الذي جمع رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان بالمبعوث الأمريكي الخاص لأفريقيا، مسعد بولس، في مدينة جنيف السويسرية، أبدت الباحثة السياسية إيناس بلة نظرة متشائمة تجاه مآلات هذا الاجتماع، معتبرة أن المؤشرات الأولية لا تبعث على التفاؤل. وربطت بلة بين مضمون اللقاء وما ورد في البيان الأخير الصادر عن وزارة الخارجية السودانية، والذي رفض بشكل واضح بيانًا مشتركًا صادرًا عن الولايات المتحدة وشركائها في مجموعة العمل المعروفة بتحالف “إيه إل بي إس”، والتي تضم الإمارات والسعودية ومصر، بشأن تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة من الحرب.
وأوضحت بلة أن هذا الرفض يعكس بجلاء أن الإمارات بدأت في وضع عراقيل أمام الجهود الإنسانية، وهو ما يثير القلق بالنظر إلى أن ملف المساعدات يمثل نقطة الانطلاق لتنفيذ مخرجات اللقاء بين البرهان وبولس. وأضافت أن البيان يكشف عن نفوذ إماراتي واضح في هذا الملف، ما يجعل البداية متعثرة ويضع علامات استفهام حول جدية الأطراف في الدفع نحو تسوية إنسانية وسياسية.
وأشارت إلى أن الإمارات تتحرك في مسارين متوازيين، الأول عبر مشاركتها السياسية في الرباعية الدولية المعنية بالأزمة السودانية، والثاني من خلال دعمها العسكري المباشر لقوات الدعم السريع. واعتبرت أن هذا التداخل يخلق وضعًا مشوهًا، إذ لا يمكن أن يكون الخصم هو الحكم في الوقت ذاته، خاصة إذا فشلت قوات الدعم السريع ميدانيًا، فإن الإمارات ستتولى تمثيلها في الرباعية، وهو ما يضعف مصداقية أي تسوية محتملة.
وفي تحليلها للموقف الأمريكي، أكدت بلة أن من يعتقد أن القرار الأمريكي بشأن السلام في السودان سيكون مستقلًا عن رغبات وتوجهات أبوظبي، فهو واهم، مشيرة إلى أن الإمارات تمثل شريكًا استراتيجيًا لواشنطن في عهد كل من الرئيسين بايدن وترامب. ولفتت إلى أن قراءة نتائج اللقاء بين البرهان وبولس لا يمكن فصلها عن التطورات العسكرية الميدانية في إقليمي كردفان ودارفور، حيث إن تصاعد القتال لا يعكس تقدمًا نحو السلام، بل يؤكد تعثر المساعي الرامية إلى إنهاء الحرب.
وأضافت أن الطرفين المتحاربين قد يلجآن إلى فرض أمر واقع على الأرض، في ما يشبه خطة بديلة عن المسار التفاوضي، وهو ما يختلف جذريًا عن نموذج نيفاشا الذي أفضى إلى اتفاق بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان. وشددت على أن الحل يكمن في حياد الولايات المتحدة، وعدم توجيه الرباعية لخدمة مصالح الإمارات، معتبرة أن هذا الوضع يثير الاستغراب من دولة يُنظر إليها باعتبارها صاحبة القرار العالمي، لكنها تبدو وكأنها تخضع لتأثير حليف يوفر لها المال والصفقات الكبرى.
وفي السياق ذاته، عبّر الأكاديمي صالح محمد أحمد عن مخاوفه من أن تكون زيارة البرهان إلى سويسرا ولقاؤه بمسعد بولس قد تم بتنسيق ومباركة من الإسلاميين، مشيرًا إلى أن التسريبات تفيد بأن الدوحة هي من رتبت هذا اللقاء. وأوضح أنه إذا صح هذا الأمر، فإن البرهان سيظل رهينة للتيار الإسلامي، الذي يسيطر على المؤسسة العسكرية من خلال الكتائب العقائدية، وعلى جهاز الأمن عبر نفوذه، ويموّل الحرب من خلال شركاته الاقتصادية.
وأكد صالح رفضه لأي اتفاق يفضي إلى وقف الحرب ويعيد الإسلاميين إلى السلطة، إلى جانب قوات الدعم السريع والحركات المسلحة، واصفًا ذلك بأنه كارثة على الشعب السوداني الذي يتطلع إلى إنهاء الحرب. وأضاف أن الحل لا يكمن في إعادة إنتاج القوى التي أشعلت النزاع، بل في خروج جميع المكونات العسكرية من السلطة، مع إمكانية توليها مهام أمنية لفترة انتقالية قصيرة، يعقبها تنظيم انتخابات حرة.
وأشار إلى أن الإسلاميين ومن يساندهم لا يرغبون في إنهاء الحرب عبر التفاوض، بل يراهنون على الحسم العسكري، خاصة بعد انتقال المعارك إلى كردفان ودارفور. وانتقد هذا التوجه، مؤكدًا أن من يتبناه لا يقرأ التاريخ ولا يستفيد من دروسه، متسائلًا عن جدوى استمرار القتال بعد تجربة طويلة بدأت منذ تمرد مني وجبريل في عام 2003، ولم تنته إلا باتفاق جوبا في 2020.
وتساءل عن عدد السنوات التي يُراد للشعب السوداني أن يظل فيها غارقًا في الحرب، وعن الذنب الذي ارتكبه أفراد القوات المسلحة والضباط الشرفاء الذين يُقتلون من أجل طموحات مجموعة صغيرة تسعى للسلطة، في إشارة إلى التيار الإسلامي بقيادة علي كرتي. واعتبر أن هذا المسار مرفوض من أي شخص عاقل، مشددًا على أن ما ذكره بشأن الإسلاميين يمثل عقبة حقيقية أمام أي مفاوضات، مهما كانت جدية الولايات المتحدة وشركائها.
وختم صالح حديثه بالتأكيد على ضرورة وجود قرارات حاسمة وضغوط أمريكية فعالة لوقف الحرب، مؤكدًا أن السياسة الناعمة دون أدوات ضغط قوية لن تحقق السلام، ولو كانت مجدية لكان الاتفاق قد تحقق منذ مفاوضات جدة في مايو 2023.
التغيير


