
في خضمّ معركة البقاء التي يخوضها السودان، يتسلل خطر قاتل لا يظهر في ساحات القتال ولا يُسمع دويّه في المعارك، بل يمارس فعلته بصمتٍ خبيث، كما يسري السُمّ في الجسد دون أن يشعر به أحد حتى يفقده الحياة. هذا الخطر هو الحياد الرمادي، الذي يتقن التخفّي خلف قناع الحكمة، ويتستر على الخيانة بلغة السلام والتسوية.
الحياد في زمن الحرب المصيرية ليس فضيلة، بل خيانة مموّهة. إنه الحياد الذي يساوي بين الضحية والجلاد، بين الدولة والمتمرد ويتحدث عن الواقع بلغة الانسحاب، ويُبرّر العجز باسم العقلانية. يُجرد الانتماء الوطني من قوّته ويحوّل الموقف إلى رماد لا يحمل ناراً ولا دفئاً. هذا هو سُمّ الحياد؛ خطاب ناعم الملمس لكنه مملوء بالسموم، يُميت الإرادة ويُضعف الجبهة الداخلية، ويُربك الرأي العام حتى يغدو لا يميز بين الخلاص والانهيار.
الطابور الخامس لا يهاجم بشراسة، بل يندسّ بتكتيك. لا يطلق النار، بل يزرع الانهزام. لا يخوض المعركة مباشرة، بل يُهيّئ لها بيئة الانكسار. يُشرعن التمرد، يُسوّق الفشل، ويُلبس الاستسلام ثوب الحكمة الوطنية. يُعيد تدوير خطاب الهزيمة تحت شعارات رنانة مثل الواقعية السياسية والسلام المستدام ولا للحرب في حين أن المضمون الحقيقي لا يحمل إلا هدماً مموّهاً لركائز الدولة.
خطورته لا تكمن في عدائيته الظاهرة، بل في قدرته على إرباك المفاهيم الوطنية، وتشويش الإرادة الشعبية، وتعطيل القرار السيادي. إنه العدو الذي يُجالسنا، يُحاورنا ويتحدث بلغتنا، لكنه لا يتردد في الطعن متى سنحت له الفرصة، بحجة الحقوق، الهوية، والمصلحة العامة. ومع الوقت، يتحوّل من طيف غامض إلى واقع يُهدّد وحدة الدولة ومصيرها.
ولأن الوطن يُذبح في صمت، فإن الردّ لا يكون بالصمت ذاته، بل بكسر جدار الرمادية الحلّ لا يكمن في مواجهة بالسلاح ، بل في معركةوعيٍ تُسمّي الأشياء بأسمائها،وتُفضح التنسيقات المريبة،وتُفكّك المنظومات الناعمة التي تسهّل التمكين للعدو الخفي. السودان لا يحتمل المزيد من التخاذل المغلّف بالمنطق، ولا من السُمّ المسكوب في خطاب التحليل البارد. المطلوب الآن أن يُعاد تعريف الحياد، وأن يُصار إلى موقفٍ وطني حاسم، يُحصّن الجبهة الداخلية، ويُعزّز القرار الوطني ويُميّز بين من يحمي الوطن ومن يبيع قضيته بثمن رخيص.
حين يغدو البيان الرمادي أقوى من الرصاصةوحين تكون المقالات المموّلة أفتك من المدافع فإن وقت كشف الأقنعة قد حان. وسُمّ الحياد مهما بدا ناعماً، هو القاتل الصامت الذي لا يجب تجاهله. حفظ الله السودان وشعبه من كل فتنة ومن كل طامع في أرضه وكرامته.


