مقالات

ناجي الكرشابي يكتب : “عويل” الدقير .. و”نحيب” المؤتمر الوطني..!؟

 

 

كتب عمر الدقير مقالًا يفيض بالتحسر، يصوّر فيه انفصال جنوب السودان في 9 يوليو 2011 كأكبر تجليات الفشل الوطني، وكأن الإرادة الشعبية لشعب الجنوب لم تكن سوى عرضٍ جانبيٍ في مشهد تقوده الخرطوم وحدها.

لكن الحقيقة الواضحة التي يتناساها الدقير، هي أن شعب الجنوب اختار الانفصال بكامل إرادته، عبر استفتاء حرّ وشفاف شهد عليه العالم، وأدلى فيه98.8٪ من الجنوبيين بأصواتهم لصالح “الاستقلال” عن السودان.

قبل أن يتحدّث أي سياسي عن “الانفصال كمأساة وطنية”، عليه أن يتذكر مجزرة توريت عام 1955، حين قُتل مئات الشماليين المدنيين بوحشية، ثم توالت الحروب والتمردات والانقلابات والانفجارات الدموية، كأحداث الأحد الدامي 1964 التي حدثت بعد ما يقرب من عشر سنوات من تمرد توريت لجرد تأخر طائرة وزير الداخلية الجنوبي “كليمنت أمبورو” في الوصول إلى الخرطوم، ثم الإثنين الأسود أغسطس 2005. ليبلغ عدد ضحايا الحرب بين الشمال والجنوب أكثر من مليوني إنسان من الطرفين، أغلبهم من السودان الحالي.

فهل كان الحل هو البقاء في وطن متصدع، أم ممارسة حق تقرير المصير، ذلك الحق الذي أجمعت عليه كل القوى السياسية في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية، بما فيها حزب الدقير نفسه؟ حينما قبل بتسجيل حزبه بقانون تسجيل الأحزاب وفقًا لدستور نيفاشا 2005، والذي تسبب في نقل الحرب من أدغال الجنوب إلى العاصمة الخرطوم “الإثنين الأسود”، في الوقت الذي كان حزب المؤتمر الوطني يتباكى على الوحدة كما يتباكى الدقير اليوم، درجة أنه كان يغض الطرف عن ممارسة حزب قرنق الشريك الرئيس في السلطة حينما كان وزراء الحركة الشعبية يقودون المعارضة ضد الحكومة التي يشاركون فيها.

يا الدقير، الانفصال لم يكن خيانة.. بل خيار شعب جنوب السودان ويجب عليك احترام ذلك الخيار.

يا الدقير، الخيانة الحقيقية هي الحرب التي تعيشها البلاد الآن بسبب اتفاقكم الإطاري الإقصائي الذي مهد الطريق أمام انقلاب الدعم السريع ولا يزال، والفشل الأكبر الذي تتغافل عنه، ليس انفصال الجنوب، بل الانفجار الوطني الكارثي الذي نحن فيه اليوم، والذي قادتنا إليه **قوى الحرية والتغيير بشقيها**، وعلى رأسها حزبك (المؤتمر السوداني) أيام حكمكم الذي عرفه السودانيون تهكمًا بـ “أربعة طويلة” على غرار عصابات 9 طويلة، بتحالفكم الهش مع مليشيا الدعم السريع، وغضّكم الطرف عن مشروعها التدميري مقابل مقاعد ومناصب وعدكم بها حميدتي.

لقد ورّطتم البلد وشعبها في هذا الجحيم، ثم انسحبتم إلى الخارج، وبعضكم غادر بطائرات الإجلاء الأجنبية، تاركين الشعب بين مطرقة التمرد وسندان القتل والإفقار الممنهج واغتصاب الحرائر.

فهل من الأخلاق أن يتحدث الدقير اليوم عن وحدة وطنية وهو أحد صناع الانقسام الأكبر؟

هل من النزاهة أن نُجرّم خيار الجنوبيين في تقرير مصيرهم، بينما نبارك تحالفات ولّدت الحرب والانهيار والانقسام داخل الخرطوم نفسها؟

أقول: لا مجال لإعادة كتابة التاريخ حسب المزاج السياسي، فالجنوب لم يُنتزع من السودان. لقد خرج بإرادته الحرة، وفق اتفاق قانوني وسياسي مكتمل، ولا يجوز لأي جهة، مهما علا خطابها، أن تروّج لفكرة أن الانفصال كان خيانة.

الخيانة هي تضييع ما تبقّى من السودانعبر الفشل السياسي والتنازلات الخرقاء، وقبلها التواطؤ على الوطن في صفقات السلطة، والتسكع أمام بيوت السفراء الأجانب وإدارة الدولة كأنها “غنيمة للكتل السياسية”، لا مشروع وطني جامع.

قرائي الكرام، سأكتب لكم بالتفصيل إن شاء الله عن مجزرة توريت التي حدثت في 18 أغسطس 1955م، حيث تمرد الفيلق الجنوبي بالاستوائية، وقد اشتعل في 13 مدينة ومركز في وقت واحد، ودشّن ذلك أول عملية تطهير عرقي منظم في حق الشماليين دون غيرهم، حيث لم يفرق بين العسكري أو المرأة أو الطفل أو الرجل. سنكتب عن ذلك بوثائق الخواجات أنفسهم الذين يقدسهم الدقير ويحج إليهم مع رفاقه كل صباح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى