د. عبد المنعم المهل يكتب : الكباشي وقرارات الدولة

قبل أن تذهبوا
– في اللحظات الحرجة التي تمر بها الأوطان، تكتسب القرارات السيادية أهمية مضاعفة، خاصة عندما تكون صادرة عن شخصيات في مواقع صنع القرار العسكري والسياسي. وفي السودان، حيث تتعدد مراكز القوى وتتصارع المصالح، تبرز أحيانًا مواقف تبدو كأنها محاولات جادة لوضع الأمور في نصابها الصحيح.
– الفريق أول شمس الدين كباشي، مساعد القائد العام للقوات المسلحة، هو واحد من هؤلاء الفاعلين الذين تتباين حولهم المواقف. إلا أن المتابع لخطاباته وتحركاته الأخيرة يلحظ أنها تصدر، على الأقل في ظاهرها، عن رجل يدرك أهمية الدولة ومفهوم السيادة.
– قراره بوقف تسليح المليشيات لا يمكن فصله عن رغبته في احتواء فوضى السلاح، والحد من التفلتات الأمنية، وهو بذلك يقدم قراءة استراتيجية بعيدة النظر لمآلات استمرار عسكرة المجتمع.
– كما أن خطابه الذي اعتبر فيه من يقاتلون إلى جانب القوات المسلحة “مقاومة شعبية” يُعد محاولة لتوحيد الجبهة الداخلية عسكريًا، وإن كان يحمل أبعادًا سياسية أيضًا.
– ولعل الأهم من كل ذلك، قراراته بوقف تعيينات في وظائف دستورية، والتي رأى فيها كثيرون مؤشرات على رفضه لتغوّل المحاصصة والترضيات في مفاصل الدولة. إنها خطوات تعكس إدراكًا لتدهور الخدمة المدنية وخطورة تغليب الولاءات على الكفاءة.
– لكن هذه الصورة لا تخلو من التناقض. فالكباشي، الذي مضى ووقّع بالأحرف الأولى على اتفاق منبر المنامة، عاد سريعًا للتنصل منه، متذرعًا بحجج وصفها كثيرون بأنها غير مقنعة. وهو تراجع أضعف الموقف الرسمي وفتح الباب أمام التشكيك في جدية أي مفاوضات مستقبلية.
– ورغم ذلك، لا يبدو أن للكباشي دورًا هامشيًا في المشهد القادم. فالمعطيات تشير إلى أنه سيظل فاعلًا رئيسيًا في أي اتفاق سياسي قادم، وربما يكون أحد مهندسي المرحلة التالية.
– السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل يلتحق كباشي بركب السلام، أم يُفضل الاستماع لأصوات الحرب والمصالح الضيقة؟
بعد أن تغادروا:
– إن المؤسسة العسكرية، إن هي اختارت طريق العقل وتحررت من المؤثرات، يمكن أن تذهب إلى السلام من موقع القوة لا الضعف، لتفرض شروطًا عادلة تعيد للدولة هيبتها وتكرّس مبدأ الجيش الواحد.
– لا أحد يربح في الحرب، ولا بندقية حسمت معركة دون كلفة باهظة.
– والسودان – بكل ما فيه من جراح وآلالام – يستحق فرصة أخرى، يستحق أن يكون بخير.



