احلام محمد إبراهيم… ✍️ تكتب : أكتوبر الوردي… احتفال ليس ترفاً، بل نداءٌ للحياة
رئيسة اتحاد المرأة السودانية

سلسلة مقالات «الجذور التي لا تُرى»
المقال رقم(3)
ليس الاحتفال بأكتوبر الوردي ترفاً، ولا مجرد مناسبة تتزين فيها الأماكن باللون الوردي، أو تتردد فيها عبارات التوعية لساعات ثم تنتهي بانتهاء الفعالية. إنه جرس إنذار إنساني وصحي، يدعونا إلى الالتفات لما قد لا نراه، وإلى الاهتمام بالجذور التي تتشكل عندها صحة المرأة، وتستقر فيها عافية الأسرة، ويبدأ منها مستقبل الأجيال.
إن تسمية شهر أكتوبر بالوردي تحمل معنى يتجاوز اللون؛ فهي تذكير بأهمية صحة المرأة، وبضرورة منحها ما تستحقه من رعاية واهتمام ووعي، ولا سيما في ما يتعلق بسرطان الثدي، الذي تمثل الوقاية من مخاطره، والانتباه إلى علاماته، والكشف المبكر عنه، خطوات أساسية في مواجهته.
من صحة المرأة إلى سلامة الأسرة
صحة المرأة ليست قضية فردية معزولة، بل هي قضية أسرة ومجتمع وسكان. فالمرأة محور أساسي في بناء الأسرة ورعاية الأطفال، وصحتها الإنجابية جزء أصيل من الصحة العامة، بما يشمل سلامة الأم، وصحة الطفل، والتخطيط الواعي للحمل والإنجاب، والحصول على الرعاية الصحية المناسبة في مختلف مراحل الحياة.
ومن هنا، فإن الاهتمام بصحة المرأة لا يبدأ عند ظهور المرض، ولا ينتهي عند العلاج؛ بل يبدأ بالوعي، ويمتد إلى الوقاية، والفحص الدوري، والتغذية السليمة، والرعاية الصحية المتكاملة، وتوفير المعلومات الصحيحة التي تساعد المرأة على اتخاذ القرارات المناسبة بشأن صحتها.
إن المجتمعات التي تعي قيمة صحة المرأة تدرك أنها تستثمر في أسرة أكثر استقراراً، وأطفال أكثر عافية، وأجيال أكثر قدرة على العطاء.
الوقاية أولاً… والكشف المبكر يصنع الفرق
من أهم الرسائل التي يحملها أكتوبر الوردي أن الانتباه للصحة ليس استجابة للخوف، بل ممارسة واعية للمسؤولية.
فالوقاية، والتعرف إلى التغيرات التي تطرأ على الجسم، وطلب المشورة الطبية عند ظهور علامات غير معتادة، والالتزام بالفحوصات المناسبة للعمر ومستوى الخطورة، كلها وسائل تساعد على اكتشاف المشكلات الصحية في وقت مبكر.
وفي ما يتعلق بسرطان الثدي، تزداد أهمية الكشف المبكر لأنه يتيح فرصاً أفضل للعلاج في كثير من الحالات. لذلك، ينبغي ألا يكون الخجل أو الخوف أو الاعتقاد الخاطئ بأن الفحص غير ضروري سبباً٠ في تأجيل الاستشارة الطبية.
كما أن أي تغير جديد في الثدي، مثل ظهور كتلة أو تغير في الجلد أو الحلمة أو إفرازات غير معتادة، يستحق التقييم الطبي، مع العلم أن هذه العلامات لا تعني بالضرورة وجود سرطان.
والرسالة الأهم هنا أن الوعي لا يعني أن نعيش أسرى القلق، وإنما أن نمتلك المعرفة التي تمكننا من التحرك في الوقت المناسب.
القوة في المواجهة… والأمل في الشفاء
وراء كل حملة للتوعية حكايات نساء واجهن المرض بشجاعة، وأسر وقفت إلى جانبهن، وأطباء وعاملون في القطاع الصحي بذلوا جهوداً لإنقاذ الأرواح واستعادة العافية.
إن الإصابة بسرطان الثدي ليست نهاية الطريق، وليست حكماً بفقدان الأمل. فقد حققت العلاجات الحديثة تقدماً كبيراً، وتكون فرص الشفاء مرتفعة في كثير من الحالات، خصوصاً عندما يُكتشف المرض في مراحله المبكرة، مع اختلاف النتائج بحسب نوع الورم ومرحلته والعوامل الصحية الأخرى.
ومن هنا، فإننا نحتاج إلى خطاب يجمع بين الواقعية والأمل؛ فلا يهوّن من خطورة المرض، ولا يضخم الخوف منه، بل يشجع المرأة على الفحص، ويعينها على مواجهة التشخيص، ويدعم حقها في العلاج والرعاية النفسية والاجتماعية.
القوة ليست في إنكار المرض، وإنما في مواجهته. وليست في غياب الخوف، وإنما في ألا نسمح للخوف بأن يمنعنا من اتخاذ الخطوة الصحيحة.
الأخذ بالأسباب والتوكل على الله
إن الإيمان والتوكل على الله لا يتعارضان مع طلب العلاج، بل يلتقيان مع الأخذ بالأسباب، والسعي إلى الوقاية، والاستفادة من العلم والطب، والصبر في مواجهة الابتلاء.
فالمرأة التي تهتم بصحتها، وتجري الفحوصات المناسبة، وتطلب المساعدة الطبية عند الحاجة، لا تستسلم للخوف، بل تؤدي مسؤوليتها تجاه نفسها وأسرتها، وتمنح نفسها فرصة أفضل للاطمئنان والعلاج.
وفي المقابل، فإن الأسرة والمجتمع والمؤسسات الصحية مطالبة بتوفير بيئة داعمة، تتيح للمرأة الوصول إلى الفحص والعلاج، وتحميها من الوصمة، وتساندها نفسياً واجتماعياً، فلا تواجه المرض وحدها.
أكتوبر الوردي… رسالة تتجاوز شهراً
إن القيمة الحقيقية لأكتوبر الوردي لا تقاس بعدد الفعاليات، ولا بدرجات اللون الوردي التي تزين القاعات، بل بما يتركه من أثر في حياة النساء.
هل وصلت الرسالة إلى المرأة التي لم تفكر من قبل في إجراء الفحص؟ وهل أصبحت الأسرة أكثر وعياً بأهمية صحة الأم؟ وهل وجدَت النساء طريقاً أيسر إلى الخدمات الصحية؟ وهل تحول الحديث عن الوقاية والكشف المبكر إلى سلوك مستمر طوال العام؟
تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن ترافق كل احتفالية، وأن تدفعنا إلى تحويل التوعية إلى برامج عملية، والفحص إلى خدمة متاحة، والدعم إلى مسؤولية مشتركة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية دور المؤسسات النسوية، وفي مقدمتها الاتحاد العام للمرأة السودانية، في نشر الوعي الصحي، وتعزيز ثقافة الوقاية، وتوسيع الشراكات مع المؤسسات الطبية، والوصول إلى النساء في المدن والأرياف ومناطق النزوح، حيث تزداد الحاجة إلى الرعاية الصحية وتتعاظم التحديات.
ففي ظل الظروف التي يعيشها السودان، تصبح العناية بصحة المرأة جزءاً من مسؤولية التعافي المجتمعي، وحماية الأسرة، وصون كرامة الإنسان.
الجذور التي لا تُرى
في سلسلة «الجذور التي لا تُرى»، ننظر إلى ما وراء الحدث والمناسبة؛ إلى الوعي الذي يحمي الحياة، والرعاية التي تسند الأسرة، والمعرفة التي تمنح المرأة القدرة على اتخاذ القرار.
فقد لا نرى أثر الفحص المبكر في لحظته، ولا ندرك قيمة النصيحة الطبية إلا عندما نحتاج إليها، لكن هذه الخطوات الصغيرة قد تصنع فارقاً كبيراً في حياة إنسان وأسرة بأكملها.
إن أكتوبر الوردي ليس مجرد شهر للتذكير بسرطان الثدي، بل دعوة متجددة إلى احترام جسد المرأة، وصون صحتها، والاهتمام بصحتها الإنجابية، وتعزيز فرص الأمومة الآمنة، وبناء أسر أكثر وعياً وعافية.
فلنجعل الوردي لوناً للوعي، والكشف المبكر طريقاً للأمل، والوقاية ثقافةً لا تنتهي بانتهاء أكتوبر.
صحة المرأة ليست ترفاً… بل أساس الحياة، وجذرٌ من الجذور التي لا تُرى، لكنها تحمل شجرة المجتمع كله.



