مقالات

الشمالية حين يصغي القائد.. ما وراء زيارة البرهان

كتبت : نضال عثمان

ليست الزيارات الميدانية مجرد تحرك بروتوكولي لرئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان في زمن الحرب، بل هي اختبار حقيقي لعلاقة القيادة بالأرض والناس، ومن هذا المنظار يمكن قراءة زيارة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان للولاية الشمالية.

الزيارة في جوهرها كانت اقتصادية بامتياز، فرغم أن الحرب تفرض أولوياتها الأمنية، إلا أن البرهان ذهب إلى حيث يكمن الحل الحقيقي لأزمة السودان، إلى الزراعة. حين يتحدث عن مشروعات البرقيق وكرمة والدفوفة وحلفا داغيم وجيمي فهو لا يتحدث عن ترع وطلمبات فقط، بل يتحدث عن أمن قومي غذائي، عن بديل حقيقي لاقتصاد دمرته الحرب، عن رسالة بأن السودان لن يموت جوعا ما دام شماله يزرع.

وفي وادي حلفا كان الاختبار الأصعب، فالمدينة الحدودية تعيش على شريان التجارة مع مصر، وأي قرار مركزي غير مدروس بشأن الاستيراد يعني قطع هذا الشريان وإغلاق آلاف البيوت. ذكاء البرهان كان في أنه لم يأت ليفرض قرار الخرطوم، بل جاء ليستمع ويصحح، حين وعد بمراجعة قرار حظر واردات الخضار والفواكه وإعفاء حلفا من قرارات الأراضي، فهو بذلك أعاد الاعتبار لفكرة أن المركز يجب أن يخدم الهامش لا أن يخنقه.

أما رسالته لمصر فكانت ضرورية وحكيمة في آن واحد، فالعلاقة مع القاهرة ليست علاقة معابر فقط بل هي علاقة أمن قومي وربط كهربائي ومصير مشترك، وطمأنة المصريين بأن أبناءهم آمنون في وقت تنتشر فيه الشائعات هو فعل رجل دولة يعرف أن استقرار الحدود الشمالية لا يقل أهمية عن استقرار جبهات القتال.

ثم جاءت محطة بيوضة لتضع الزيارة في إطارها الروحي والاجتماعي، فزيارة مسيد السيد الكامل الإدريسي ليست مجاملة صوفية، بل هي اعتراف بأن تماسك هذا المجتمع وصموده في وجه الحرب سببه هذا النسيج الديني الوسطي المعتدل الذي يحفظ السودان من الانزلاق نحو التطرف والانقسام.

ما فعله البرهان في الشمالية هو أنه حول الشكوى إلى خطة عمل، وحول المطالب إلى تعهدات، وحول الهامش إلى مركز للقرار. لقد أثبتت الزيارة أن الحل لأزمات السودان لا يأتي من المنابر الخارجية، بل من حقول البرقيق ومياه حلفا وخلاوي بيوضة.

الشمالية قالت كلمتها، والقائد سمعها، والآن الكرة في ملعب التنفيذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى