مقالات

المعز مجذوب يكتب : خمس سنوات من اتفاق جوبا.. من يحاسب من؟

 

خمس سنوات مرّت.. فهل نضج السلام، أم نضجت الأعذار؟!

هنا لا مجال للمجاملات، ولا مكان للخطابات المنمّقة، ولا حصانة لأحد من سؤال الحقيقة. خمس سنوات من عمر اتفاق جوبا للسلام تستحق أن نقف أمامها وقفة حساب عسير، لا لنوزّع صكوك البراءة والإدانة، بل لنضع المسؤولية أمام أصحابها، ونطالب بإجابات لا تحتمل المراوغة.

بثينة دينار بالأمس، والمهندس محمد كرتكيلا اليوم.. تغيّرت الأسماء، لكن السؤال لا يزال قائمًا: ماذا نُفِّذ من اتفاق جوبا؟ وماذا بقي حبيس الأوراق والأدراج؟!

هل تحوّل الاتفاق إلى واقع يلمسه المواطن، أم ظل حزمة من الالتزامات المؤجلة والوعود التي تتناقلها الحكومات من مسؤول إلى آخر؟ وأين نصيب جنوب كردفان وجبال النوبة من هذه الاستحقاقات؟ ومن يملك الشجاعة ليخرج إلى الناس بكشف حساب واضح، بالأرقام والوثائق، بدلًا من الاكتفاء بالشعارات؟

إن السلام ليس منصبًا يتوارثه المسؤولون، ولا ملفًا يُرحَّل من مكتب إلى آخر، ولا اتفاقًا يُستدعى عند الحاجة السياسية ثم يُترك حين يحين وقت التنفيذ.

من يتولى المسؤولية عليه أن يجيب، ومن غادر المنصب عليه أن يوضح ما أنجزه وما تركه خلفه. لا إعفاء بالتعاقب، ولا تبرئة بالصمت، ولا مبرر لاستمرار الغموض!

أولًا: بثينة دينار.. ماذا تركتِ في سجل التنفيذ؟

إلى الوزيرة السابقة بثينة دينار: لقد تولّيتِ المسؤولية في مرحلة كان يُنتظر فيها إحراز تقدم في تنفيذ اتفاق جوبا. واليوم، وبعد مغادرتك المنصب، من حق الرأي العام أن يعرف حصيلة تلك المرحلة.

ما البنود التي نُفِّذت خلال فترة توليك المسؤولية؟ وما الملفات التي تعثرت؟ وما العقبات التي واجهت التنفيذ؟ وما الذي أنجزته وزارتك بالفعل، وما الذي كان خارج صلاحياتها؟

نريد كشف حساب موثقًا، لا روايات متضاربة. نريد نتائج قابلة للتحقق، لا تصريحات عامة. وإذا كانت هناك عقبات سياسية أو إدارية أو مالية أو أمنية، فلتُذكر بوضوح، ولتُحدَّد الجهات التي كانت مسؤولة عن معالجتها.

المناصب العامة ليست ملكية شخصية، والفترة التي يقضيها المسؤول في المنصب ليست زمنًا خارج المساءلة.

ثانيًا: محمد كرتكيلا.. إلى متى يستمر ترحيل الملفات؟

إلى الوزير الحالي المهندس محمد كرتكيلا: أنت اليوم أمام مسؤولية تتطلب أكثر من إدارة المكاتب وتسيير الأعمال. المطلوب أن يعرف المواطن ما الذي يجري في ملف اتفاق جوبا، وما الذي تحقق، وما الذي تعطل، وما الذي تنوي الوزارة فعله لمعالجة التعثر.

هل تسلّمتم تقارير واضحة عن مستوى التنفيذ؟ وهل حُدّدت الملفات المتأخرة والجهات المسؤولة عنها؟ وهل توجد خطة معلنة بمواعيد محددة لاستكمال الالتزامات التي تدخل ضمن اختصاص وزارتكم؟

وإذا كانت الظروف الاستثنائية والحرب قد أثّرت في التنفيذ، فما الذي يمكن إنجازه رغم هذه الظروف؟ وما الإجراءات التي اتُّخذت لتفادي ضياع ما تبقى من الاستحقاقات؟

لا نريد أن يصبح تغيير الوزراء وسيلة لتجديد الوعود وتأجيل الحساب. نريد أن نعرف أين توقف التنفيذ، ومن المسؤول عن كل ملف، وما الخطوة التالية، ومتى يمكن تقييم نتائجها.

ثالثًا: جنوب كردفان جبال النوبة.. من يعيد الحقوق إلى واجهة التنفيذ؟

هنا تبلغ القضية ذروة أهميتها.

أهل جنوب كردفان وجبال النوبة ليسوا جمهورًا يُطلب منه التصفيق لاتفاقات السلام، ثم يُترك ينتظر نتائجها إلى أجل غير معلوم. إنهم أصحاب مصالح وحقوق وقضايا مرتبطة بمستقبل منطقتهم، ومن حقهم أن يعرفوا أين وصلت الالتزامات التي نص عليها الاتفاق بشأنهم.

أين وصل تنفيذ البنود المتعلقة بالحكم والمشاركة السياسية وتقاسم السلطة والثروة؟ وما الذي تحقق في الملفات التنموية والخدمية التي نصت عليها الترتيبات ذات الصلة؟ وما وضع الالتزامات التي لم تُنفَّذ حتى الآن؟ وما الجهات المعنية بها؟

إننا نطالب بتحديد واضح لما يخص المنطقتين، بندًا بندًا، بدلًا من الاكتفاء بتقارير عامة لا تكشف حجم الإنجاز أو التأخير.

لا يجوز أن تضيع استحقاقات المواطنين بين خلافات السياسيين، ولا أن تتحول معاناة المناطق المتأثرة بالحرب إلى ملف مؤجل كلما تبدلت الحكومات والوزارات.

رابعًا: مطالبنا واضحة.. ونرفض سياسة الغموض!

نضع أمام الجهات الرسمية المعنية بتنفيذ اتفاق جوبا المطالب الآتية:

1. نشر كشف حساب رسمي: تقرير موثق يوضح ما نُفِّذ منذ توقيع الاتفاق، وما لم يُنفَّذ، مع التمييز بين الالتزامات المكتملة والمتعثرة والتي لم يبدأ تنفيذها.

2. كشف حساب لكل مرحلة وزارية: توضيح ما أُنجز خلال فترة الوزيرة السابقة بثينة دينار، وما آل إلى الوزير الحالي المهندس محمد كرتكيلا، وفق الصلاحيات الفعلية لكل منهما والوثائق المتاحة.

3. تحديد المسؤوليات دون مواربة: بيان الجهة المسؤولة عن كل بند متأخر، وأسباب التعثر، وما إذا كانت المشكلة في التمويل أو القرار السياسي أو الإجراءات الإدارية أو الظروف الأمنية.

4. إعلان جدول زمني واقعي: تحديد مواعيد مستهدفة للالتزامات التي يمكن تنفيذها، مع نشر تقارير دورية تكشف مستوى التقدم وأسباب أي تأخير جديد.

5. وضع استحقاقات جنوب كردفان وجبال النوبة في صدارة المتابعة: تحديد البنود المتعلقة بالمنطقتين، وما تحقق منها، وما تبقى، والجهات المكلفة باستكمالها.

6. فتح باب المساءلة أمام الرأي العام: تمكين المواطنين والإعلام والجهات الرقابية من الاطلاع على المعلومات المتاحة، ومناقشة النتائج بصورة شفافة ومسؤولة.

هذه ليست مطالب للمزايدة السياسية، ولا دعوة لتصفية الحسابات مع مسؤول سابق أو حالي؛ إنها مطالب مشروعة في ملف يتعلق بالسلام والاستقرار ومستقبل المواطنين.

خامسًا: كفى تدويرًا للوعود!

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي اتفاق سلام هو أن تتحول الالتزامات الواردة فيه إلى عناوين تتكرر في المؤتمرات، بينما تظل نتائج التنفيذ غائبة عن حياة الناس.

وإذا كان بعض بنود اتفاق جوبا قد تعثّر بسبب الحرب أو الخلافات السياسية أو ضعف الإمكانات، فإن ذلك لا يُسقط واجب التوضيح، ولا يعفي الجهات المعنية من وضع ما تبقى أمام المواطنين بشفافية.

نحن لا نطالب المستحيل، ولا نطلب من مسؤول أن ينجز ما يقع خارج صلاحياته؛ لكننا نطالب كل جهة بأن تكشف حدود مسؤوليتها، وما أنجزته داخلها، وما الذي تحتاج إليه لإكمال ما تبقى.

فالفرق كبير بين مسؤول يواجه الناس بالحقيقة، ومسؤول يتركهم أسرى الأسئلة. والفرق أكبر بين اتفاق تُتابَع بنوده بجدية، واتفاق يتنقل بين المكاتب دون كشف حساب مقنع.

الخاتمة: السؤال باقٍ.. فمن يملك الإجابة؟

إلى بثينة دينار، وإلى المهندس محمد كرتكيلا، وإلى كل جهة تحمل مسؤولية تنفيذ اتفاق جوبا:

أين كشف الحساب؟ أين النتائج الموثقة؟ وأين الجدول الزمني لاستكمال الالتزامات المتبقية؟

خمس سنوات ليست مجرد رقم في تقويم السياسة؛ إنها مدة تستحق مراجعة جادة لما تحقق وما تعثر، وما إذا كانت آليات التنفيذ قادرة على تحويل الالتزامات إلى واقع.

لن يكون الإنصاف في تحميل الوزيرة السابقة كل الإخفاقات، ولا في إعفاء الوزير الحالي من مسؤولياته، بل في إخضاع كل مرحلة للتقييم وفق الوثائق والصلاحيات والنتائج.

أما أهل جنوب كردفان وجبال النوبة، فمن حقهم ألا يظلوا على هامش النقاش، ومن واجب الجهات المختصة أن تضع استحقاقاتهم أمام الرأي العام بوضوح.

نريد حقائق لا شعارات، ونتائج لا وعودًا، ومسؤوليات محددة لا تبادلًا للاتهامات.

فإذا كان اتفاق جوبا مشروعًا للسلام، فإن أول اختبار لصدقيته هو القدرة على تقديم إجابات واضحة عن تنفيذه.

وهنا نترك السؤال مفتوحًا أمام الجميع:

بعد خمس سنوات من اتفاق جوبا، ماذا تحقق فعلًا؟ ومن المسؤول عن الملفات المتعثرة؟ وما الذي سيُنفَّذ، ومتى؟

هذا هو السؤال الذي لا ينبغي أن يُدفن بالصمت، ولا أن تضيع إجابته في زحام السياسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى