توفيق البدري عكاشة يكتب : سنواتي في خرطوم فضل الله محمد.. زاد الشجون .. للقلم جنوح و للمعافرة ثمن

في مطلع الألفية، حين كنت مديراً لقسمي للتحقيقات و السياسي بصحيفة (الخرطوم) التي كان يترأس تحريرها أستاذنا فضل الله محمد، كان من طقوسنا أن يستدعيني إلى مكتبه كل خميس ويسأل: (أها يا توفيق عندك شنو للملفات ؟)
فأسرد له العناوين لا الموضوعات: عندي (حين تباع الأرصفة في المزاد) وعندي ( الذين يأكلون من صحن المعارضة وينامون في سرير الحكومة ).
فيقاطعني بدهشته المحببة : (أول مرة أشوف صحفي يضع العنوان قبل الموضوع! )
ولم تكن لي مرجعية حينها، كنت أفعلها بالفطرة، بالمعافرة، مؤمناً أن الموضوع الذي لا يولد بعنوان يصرخ هو موضوع ميت. حتى وجدت تأصيلها في مدرسة الصحافة الأمريكية، فالقاعدة المهنية في التحقيق الاستقصائي تقول:
“If you can’t tell your story in a headline, you don’t have a story”
(إذا لم تستطع أن تحكي قصتك في عنوان.. فأنت لا تملك قصة أصلاً ).
وهي ما يُعرف في كتب التدريب الصحفي بـ (Headline Test) أو اختبار العنوان : أن تخضع فكرتك لاختبار العنوان، فإن صمدت كعنوان يلخص ويجذب ويقف موقفاً.. فهي تستحق المعافرة والبحث، وإن فشلت فانصرف عنها فهي لا تستحق حبرك ..
حملتها فرحاً إلى أستاذنا فضل الله محمد، رئيس تحرير الخرطوم وشاعر (الحب والظروف) وشاعر (الجريدة) وشاعر (زاد الشجون) وأنصع ما تغنى به الباشكاتب محمد الأمين، فابتسم وقال جملته الخالدة التي هي سودنة بليغة لتلك القاعدة العالمية: ( العنوان موقف.. مش ترويسة ) .
ولو توسعنا لقلنا إن فضل الله محمد هو الذي كتب :
( قلنا ما ممكن تسافر
نحن حالفين بالمشاعر
لسه ما صدقنا انك بجلالك جيتنا زاير
السفر ملحوق ولازم انت تجبر بالخواطر
الغريبة الساعة جنبك تبدو أقصر من دقيقة
والدقيقة وإنت ما في مرة ما بنقدر نطيقها
دنيا بقربك يفرهد كل طائر يحيا فوقها
وجنة من بعدك بيذبل كل مخضر فيها ناضر
لو تسافر دون رضانا بنشقى نحن الدهر كلو
ما بنضوق فى الدنيا متعة وكل زول غيرك نملو
أقل حاجة تخلي سفرك حتى لو إسبوع أقلو
وإنت عارف نحن بعدك للصباح دايما نساهر
لا لا ما بنقبل نسيبك تمشي للوحدة وتعاني
برضو ما بنقدر نقاوم شوقنا من بعدك ثواني
وما بنغنى وراك كلمة وما بنشوف البهجة تاني
غايتو لو شفقان علينا ما أظنك يوم تسافر )..
، فكتب عذرنا جميعاً.. عذر العاشق وعذر الصحفي المعافر الذي تكالبت عليه الالتزامات تكالب الذئاب على القصعة، ويدفع من راتبه ثمن بطارية لموبايل (مخروقته) مكسورة.
بالرغم من فان للقلم جنوح حين يجنح نحو الزاوية التي يخافها الآخرون، وللمعافرة ثمن يدفعه طائعا راضيا بقسمة ضيزي حسبه منها رضاء القارئ .
لمقال يكتبه أو تحقيق دونه سهر ليال أو فكرة بنت لحظتها ..
وهنا تبرز قيمة ( القطع الأخضر ) بعاميتنا السودانية، الفكرة وليدة اللحظة، عفو الخاطر، بنت ساعتها بلا ترتيب مسبق. وأجمل الأفكار هي التي تأتي قطع أخضر،
وما أجمل اللقيا بلا ميعاد كما غنى فناننا الأول محمد وردي:
(من غير ميعاد
واللقيا أجمل في الحقيقة بلا انتظار
صحّيتي في نفسي الوجود
ورجّعتي لعيوني النهار
كل الطيوب الحلوة يا مولاتي والجيد الرقيق
واللفتة والخصل اللي نامت فوق تسابيح الغريق
وخطاك والهدب المكحل وفتنة التوب الأنيق
في لحظة مرت كالظلال تعبر رؤاي إحساس عميق
فتحتي جرح الليل عسى من صمتي ما قادر أطيق
صحّيتي في نفسي الوجود
ورجّعتي لعيوني النهار
أنا كيف اعود من طيبة أول نظرة للدار منكسف
وا ضيعة الوتر اللي ما غنيت معاهو ولا عزف
من صدفة عابرة بلا سلام قلبي الغريق في الهم نزف
ياريتني ما شفتك ربيع ولا كان يلازمني الأسف
صحّيتي في نفسي الوجود
ورجّعتي لعيوني النهار
ضاع الكلام ماتت حروف اللقيا قبال اهمسا
والله ما غابت محاسنك لحظة لا الجرح اتنسى
للّيلة ما وشوش نسيم في روضو وما غرد مسا
للّيلة ما سافر عبير في الطيب يغازل نرجسة
للّيلة يا حبي الكبير في حرقة لافيني الأسى
صحّيتي في نفسي الوجود
ورجّعتي لعيوني النهار )..
رحم الله البروف مالك حسين حامد الذي عملت معه مستشاراً صحفياً، كان يصف الحوار الأعرج بأنه يسير بقدم واحدة. أما حوارنا هذا، هذا النقاش المثمر الذي نصوغه اليوم، فهو حوار جاء قطع أخضر بلا ميعاد، لذلك هو حوار ” يسير على قدمين راسختين وسويتين ” ، لأنه ليس لنا وحدنا.
نحن نصوغ اليوم ” لأجيال تنتظر منا ما ينفع ” ، لجيل لم يقرأ صحيفة الخرطوم الورقية، ولم يسمع الباشكاتب في المسرح القومي،و مسرح نادي الضباط
يبلغ من السلطنة والاندماج ما يجعله يوقف الغناء لطارئ اصوات أخرجته من سلطانه فيرمي بعبارة محب:
( ماهو يا تغنوا انتو .. يانغني نحنا )
جيل سيبحث غداً عن معنى أن يكون العنوان موقفاً، وعن معنى أن تكون الفكرة قطع أخضر.
وعلى فكرة.. ( نامل أن لا يقتل موضوعنا هذا عاشق).. فمحمد الأمين، ود الأمين، أبو اللمين، الباشكاتب، عندما يغني (زاد الشجون) فإن العشاق يهيمون في ملكوت الجمال، ونحن نهيم معهم بقلم جانح ومعافرة لا تنتهي.
(
ماهو باين فى العيون
وين حنهرب منو وين
الهوى البعث الليالى
العامرة بى زاد الشجون
يفتح قلوبنا ديار محبه
ديار حياة للعائدين
مابنقاوم وكيف حنقدر
وين حانهرب منو وين
مافتكرت الحظ يساعد
عمرى يورق من جديد
من بعد فرقتنا ديك
مين كان بيفتكرك تعود
كنت بحتاج ليك بشدة
وانت بعيد
مافى عيشه بلاك بتبقى
ومافى نشوة ومافى ريد
دا الهوى الجنبك عرفتو
عاطفة ملتهبة وجنون
ويـن حنهـرب منو وين
اه ادعينا وقلنا تانى
ماحانشتاق فى عمرنا
وقبل ماتمر ليلة واحدة
بحرارة الشوق غمرنا
كم كم لهينا وقلنا يمكن
ندفن الحب فى سهرنا
الحياة صعبة علينا
وبى اثر فقدك شعرنا
شفت كيف حبك حياتنا
انت يالحبك حياتنا
وكــيف بدون حــبك نكـون
وين حــنهــرب منو ويــــن
شفت كيف حبك بيعمل
يشغل الوجدان ويعذب
وبرضو بتقول عنى خادعك
وانى بتلاعب وبكذب
ليك حق دنياك خاليه
لابتشيل هم لابتتعب
كنت تتعلم تجامل
لو فؤادك مرة جرب
انو مايدق دقة واحدة
الا ويتفجر حنين
يفتح قلوبنا ديار محبة
ديار حياة للعائدين )



