مقالات

المعز مجذوب يكتب : حالة قلق

 

في السياسة لا توجد فراغات طويلة الأمد، وحينما يتصاعد الهمس داخل أروقة الدولة عن عملية “إحلال وإبدال” قادمة قد تشمل رئيس الوزراء كامل إدريس، فإن الأمر لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تداول إداري عادي، بل باعتباره انعكاسًا لحالة قلق سياسي عميق داخل بنية الدولة السودانية، التي ما تزال تخوض واحدة من أخطر مراحلها منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل العبثية.

السودان اليوم ليس دولة تبحث عن حكومة “تدير” فقط، وإنما دولة تبحث عن قيادة قادرة على إعادة تعريف معنى الدولة نفسها بعد الحرب، وقادرة على بناء مشروع وطني يتجاوز مرحلة ردود الأفعال إلى مرحلة صناعة الفعل السياسي والأمني والاقتصادي.

ومن هنا يبرز السؤال المشروع:
هل استطاع الدكتور كامل إدريس خلال الفترة الماضية أن يقدم نموذجًا لرئيس وزراء يتناسب مع حجم الكارثة السودانية؟

الواقع يقول إن الرجل جاء محمولًا على رصيد أكاديمي وخبرة دولية معتبرة، وكان كثير من السودانيين يأملون أن يشكل ظهوره نقطة توازن في المشهد السياسي المضطرب، لكن الأداء على الأرض ظل أقل بكثير من سقف التوقعات، ليس بالضرورة بسبب ضعف شخصي، وإنما لأن طبيعة المرحلة الحالية تحتاج إلى شخصية تمتلك أدوات إدارة الأزمات الكبرى، وتملك القدرة على اتخاذ قرارات صادمة وسريعة في بيئة شديدة التعقيد.

السودان اليوم لا يعيش أزمة حكومة فقط، بل يعيش أزمة دولة أنهكتها الحرب، وضربتها الانقسامات، وأضعفتها مراكز القوى المتصارعة، ولذلك فإن أي رئيس وزراء لا يستطيع أن يتحول إلى “مركز ثقل” داخل المشهد سيجد نفسه مجرد موظف سياسي محاصر بالأزمات.

الكثيرون كانوا ينتظرون من رئيس الوزراء أن يقود مشروعًا واضحًا لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وأن يطرح رؤية اقتصادية إسعافية تعيد شيئًا من الثقة للمواطن السوداني المنهك، وأن يتحرك سياسيًا بصورة أكثر جرأة تجاه الملفات الحساسة، لكن الذي حدث أن الأداء بدا بطيئًا، مترددًا، وأحيانًا أقرب إلى إدارة الوقت لا إدارة الأزمة.

وفي تقديري، فإن أخطر ما يواجه أي مسؤول في هذه المرحلة ليس الهجوم السياسي، وإنما فقدان القدرة على إقناع الشارع بأنه يملك رؤية للمستقبل.

ولهذا فإن الحديث عن عملية إحلال وإبدال قادمة لا يبدو مستبعدًا، بل ربما أصبح جزءًا من ترتيبات إعادة تشكيل المشهد التنفيذي بالكامل، خصوصًا في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والأمنية والسياسية، ووجود تيارات داخل الدولة ترى أن المرحلة القادمة تحتاج إلى حكومة حرب ذات طابع تنفيذي صارم، لا حكومة توازنات أو مجاملات سياسية.

لكن السؤال الأخطر ليس:
من يذهب؟
بل: من يأتي؟

لأن أزمة السودان لم تعد في تبديل الأسماء فقط، وإنما في غياب المشروع الوطني المتكامل.

فإذا جاءت عملية الإحلال والإبدال القادمة بنفس العقلية القديمة، وبنفس أدوات المحاصصة، فإن السودان لن يحصد سوى إعادة تدوير الأزمة بشكل جديد. أما إذا كانت العملية القادمة جزءًا من رؤية شاملة لإعادة بناء الدولة، فإنها ربما تمثل بداية تحول حقيقي في مسار البلاد.

إن المرحلة القادمة تحتاج إلى رجال دولة لا رجال مناصب، وتحتاج إلى قيادات تمتلك شجاعة اتخاذ القرار، لا مجرد القدرة على الظهور الإعلامي أو الخطاب الدبلوماسي الناعم.

السودانيون اليوم لا يريدون خطبًا طويلة، بل يريدون دولة قوية، واقتصادًا متماسكًا، وأمنًا مستقرًا، وعدالة حقيقية، ويريدون قبل ذلك كله أن يشعروا بأن هناك من يقاتل من أجل بقائهم لا من أجل البقاء في الكراسي.

ولهذا فإن أي عملية تغيير قادمة يجب أن تُبنى على معيار الكفاءة والقدرة على إدارة الدولة في زمن الانهيار، لا على معيار الرضا السياسي المؤقت أو التوازنات الهشة.

فالسودان بعد حرب 15 أبريل ليس كسودان ما قبلها، ومن لا يدرك هذه الحقيقة سيجد نفسه خارج حركة التاريخ، مهما كانت مكانته أو اسمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى