مقالات

توفيق البدري عكاشة يكتب : ما بين الأيدي الخارجية ومعول الداخل..الدولار والوقود.. ماذا هناك ؟

 

مشهد لم تألفه مدينة وادي حلفا منذ سنوات..

السيارات متراصة أمام محطات الوقود في طوابير لا تنهي، انتظاراً لوقود قد لا يأتي. بعض ملاكها باتوا ليلتين في العراء، عسى أن يأتي الفرج صباحاً.. وما الصباح عن المساء بأمثل.

ظلال الأزمة تجاوزت مشهد السيارات.. ففي الميناء البري أيضاً، عشرات الركاب المسافرون إلى أبو حمد عبر (البكاسي)، طال انتظارهم والموقف يخلو تماماً من السيارات. وقد عمد أصحاب المكاتب إلى زيادة تعرفة الراكب من (110) ألف إلى (150) ألف جنيه.

 

وامتدت ظلال الأزمة إلى سوق وادي حلفا وكناتين الأحياء.. ولم تستثن حتى (التكاتك)، فارتفعت كلفة تعرفة الراكب من 2000 إلى 4000 جنيه في يوم واحد.

 

وادي حلفا ليست استثناءً.. وادي حلفا هي الملمح الصادق لمشهد عام انتظم كل المدن، من بورتسودان إلى الخرطوم. الدولار كسر حاجز 8000 جنيه في الموازي مقابل 4200 في بنك الخرطوم، والجالون بـ 40 ألفاً. فما الذي يحدث؟

اليد الخارجية التي تخنق.

منذ أن بدأت الحرب قبل ثلاث سنوات ونصف، والسودان يصدر دمه ذهباً ويستورد أزماته وقوداً. الذهب يخرج عبر تشاد ودبي ولا يعود دولاراً للبنك المركزي، والوقود نستورده بالدولار من السوق الأسود. تقرير رويترز قبل أيام قالها: الجنيه فقد نصف قيمته منذ الصيف.. من 4100 في مايو إلى 8000 في سبتمبر.

هذه ليست مضاربة تجار.. هذه عملية تجفيف ممنهج لمصدر النقد الأجنبي.

معول الداخل الذي يهدم.

وهنا بيت القصيد. الدولة بدل أن تحمي الجنيه، نزلت بنفسها تشتري الدولار من السوق الأسود عبر شركات وسماسرة لتأمين الوقود، فأشعلت سعره بنفسها.

ثم جاء القرار القاتل: رفع الدولار الجمركي ثلاث مرات في 2026 ليصل 3517 جنيه. يعني أي بضاعة تدخل الميناء، تدفع جمركها بهذا السعر المضاعف، ثم تضاف عليها تكلفة النقل المضاعفة بسبب شح الجازولين.

وحين تموّل الدولة عجزها بالطباعة والاستدانة من البنوك، فهي تطبع مزيداً من الجنيه بلا غطاء.. فيصبح الجنيه نفسه هو سبب غلاء الوقود.

هلع السوق.

التاجر في سوق ليبيا لم يعد يحسب ربحه، بل يحسب كيف يحمي رأس ماله، فحوّل جنيهه إلى دولار أو ذهب، وأوقف البيع. والنتيجة شلل كامل. كيلو السكر بـ 10 آلاف، وجوال السكر بـ 450 ألف، وجركانة الزيت بـ 350 ألف.. والمواطن هو الضحية.

ماذا هناك إذن ؟

هناك أننا نخوض حربين في وقت واحد: حرب بالرصاص في الميدان، وحرب بالجنيه في بورتسودان.

الخارج يريدك بلا دولار حتى تركع، والداخل يساعده بلا قصد حين يطبع الجنيه بلا غطاء ويشتري الدولار من السوق الأسود.

والعلاج ليس أمنياً.. بل اقتصادي:

1. صندوق وقود سيادي يشتري بالاعتماد الرسمي لا بالسوق الأسود.

2. وقف تمويل العجز بالطباعة.

3. إرجاع حصيلة الذهب لبنك السودان بالقانون لا بالمناشدة.

دعه فإن لصاحب الحق مقالاً.. وصاحب الحق اليوم هو المواطن الواقف في صف البنزين في وادي حلفا.. ومقاله واضح: أوقفوا نزيف الجنيه يخلوا لكم وجه الرخاء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى