دكتور صلاح دعاك يكتب : البحث العلمي في الجامعات ; بين صناعة المعرفه و سباق الترقيات

البحث العلمي في الجامعات، سواء كان لأغراض الترقيات الأكاديمية أو ضمن بحوث التخرج، يُعد في جوهره عملاً معرفيًا ضخمًا إذا ما تم التعامل معه بجدية حقيقية، وتوفرت له البيئة المناسبة والتمويل الكافي. فالبحث الرصين ليس مجرد صفحات تُكتب أو بيانات تُجمع، بل هو رحلة طويلة تحتاج إلى وقت وصبر وجهد وتمويل حتى تصل إلى نتائج يمكن أن يستفيد منها المجتمع والإنسانية.
وللبحث العلمي طرائق متعددة، لكل منها أدواتها وميزاتها وتكاليفها، وربما يكون من المفيد تناول هذه الأنواع بصورة أوسع في مقال آخر نوعد به القارئ بإذن الله، يهدف إلى نشر ثقافة البحث العلمي وتعزيز الوعي بأهميته، لأن الأمم لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالمعرفة الجادة التي تتحول إلى واقع يخدم الناس. فالمعرفة الأساسية بالبحث العلمي وطرائقه، سواء في الجامعات أو حتى في المدارس، تُحصّن المجتمع ضد الانسياق وراء الشائعات، وتمنحه الحد الأدنى من الأدوات التي تساعده على التمييز بين المعلومة الصحيحة الموثوقة والمعلومة الخاطئة التي تنتشر بكثرة في وسائل التواصل والفضاءات المفتوحة. كما أن البحث العلمي يرفع قدرة المجتمع على التفكير والتحليل السليم لكل ما يمر به في حياته اليومية، ويخلق عقلاً ناقدًا لا يكتفي بتلقي الأخبار بل يحاول فهمها وتمحيصها.
كما أن النشر العلمي الجاد أصبح اليوم عبئًا ماليًا كبيرًا على الباحثين والمؤسسات. فبعض المجلات العلمية المرموقة في أوروبا وأمريكا قد تتطلب ما يقارب ألفين وسبعمائة دولار لنشر ورقة علمية واحدة، بينما توجد مجلات أخرى منخفضة التكلفة، خاصة في بعض دول شرق آسيا، قد لا تتجاوز رسوم النشر فيها خمسين دولارًا فقط، غير أن هذا التفاوت يثير كثيرًا من التساؤلات حول جودة التحكيم العلمي ومستوى الموثوقية الأكاديمية.
وقد عايشت شخصيًا جانبًا من هذه التجربة عندما شاركت في نشر بحث علمي حول السرطان بالتعاون مع جامعة ماينز الألمانية، خلال الفترة التي كنت أعمل فيها مسؤولًا عن بحوث السرطان بمؤسسة صلاح ونسي، وهي من المؤسسات العلمية التي كان لها دور مهم في مكافحة السرطان في السودان، وضمت مجلسًا استشاريًا من عدد من علماء السودان وأكاديمييه. وكانت تلك التجربة كاشفة لحجم الجهد الذي يقف خلف أي ورقة علمية محترمة، بدءًا من جمع المعلومات وتحليلها، مرورًا بالمراجعات العلمية الدقيقة، وانتهاءً بمراحل النشر الطويلة التي قد تستغرق شهورًا وربما سنوات.
لكن الإشكالية الأكبر لا تكمن فقط في التمويل أو تكلفة النشر، بل في التحولات التي أصابت مفهوم البحث العلمي نفسه في بعض البيئات الأكاديمية، حيث أصبح البحث أحيانًا مجرد وسيلة للحصول على الترقية أكثر من كونه مشروعًا معرفيًا حقيقيًا يسعى لإنتاج العلم وخدمة المجتمع. وأصبح بعض الأكاديميين يعيشون تحت ضغط دائم للنشر المتواصل، ليس بدافع الشغف العلمي، بل خوفًا من التراجع الوظيفي أو التأخر في الترقيات أو فقدان المكانة الأكاديمية.
ومع تصاعد هذا الواقع ظهرت ممارسات مؤسفة بدأت تتجلى بصورة واضحة، من بينها إضافة أسماء إلى البحوث دون مساهمة علمية حقيقية، الأمر الذي فتح نقاشًا واسعًا حول النزاهة الأكاديمية وحدود المسؤولية الأخلاقية في العمل البحثي. وأصبحت بعض الأبحاث، في حالات معينة، أقرب إلى قوائم مجاملة أو ترتيبات متبادلة منها إلى عمل علمي يقوم على الجهد الحقيقي.
وفي هذا السياق لفتت انتباهي دراسة حديثة بعنوان: «ضع اسمي عندك وأضع اسمك عندي: استكشاف الممارسات غير الأخلاقية في النشر الأكاديمي»، وهي دراسة تناول فيها الباحث مايكل أويديل أوينوجا وزملاؤه واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في البحث العلمي المعاصر، وهي التلاعب في أسماء المشاركين في البحوث، خاصة في البيئات التي تخضع لضغوط كبيرة للنشر العلمي بغرض الترقيات، بالتزامن مع ضعف الموارد والإمكانات.
وركزت الدراسة على الجامعات في نيجيريا كنموذج، لكنها في الحقيقة لامست ظواهر موجودة بدرجات متفاوتة في كثير من البيئات الأكاديمية حول العالم. فقد كشفت الدراسة عن أنماط متعددة من الممارسات غير السليمة، من بينها تبادل إدراج الأسماء بين الباحثين كنوع من تبادل المنافع، وإضافة أسماء أكاديميين لدعم ملفات ترقيتهم رغم عدم مساهمتهم الفعلية، إلى جانب استغلال بعض المواقع الإدارية لإدراج أسماء رؤساء الأقسام أو المشرفين دون مشاركة علمية حقيقية.
كما تناولت الدراسة ما يشبه الاتفاقات غير المعلنة بين بعض الباحثين لزيادة الإنتاج البحثي بصورة شكلية، بل وأشارت إلى حالات يتم فيها إدراج أسماء باحثين في أوراق علمية دون علمهم أو موافقتهم. وهذه الممارسات لا تضر فقط بمصداقية البحث العلمي، بل تظلم كذلك الباحثين الجادين الذين يقضون سنوات من العمل الحقيقي للوصول إلى نتائج ذات قيمة.
أهمية هذه الدراسة أنها لم تكتفِ بوصف الظاهرة فقط، بل حاولت تحليل جذورها الحقيقية، بدءًا من ضغوط الترقية، مرورًا بالثقافة الأكاديمية السائدة، ووصولًا إلى ضعف الرقابة داخل بعض المؤسسات. كما أشارت إلى نقطة بالغة الخطورة، وهي أن تكرار هذه الممارسات مع الزمن قد يجعلها تبدو وكأنها أمر طبيعي داخل بعض البيئات الأكاديمية، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، لأن الخطأ عندما يتكرر يفقد الناس حساسيتهم تجاهه، ويتحول مع الوقت إلى سلوك مألوف.
وهذا يقودنا إلى سؤال مهم: هل المشكلة في الأكاديمي وحده؟ أم في المنظومة التي تدفعه بصورة غير مباشرة نحو هذه الممارسات؟ فعندما يصبح عدد الأبحاث المنشورة هو المعيار شبه الوحيد للترقية، دون النظر الحقيقي إلى نوعية الإسهام العلمي وأثره، فمن الطبيعي أن تظهر مثل هذه السلوكيات.
ومع ذلك، فإن الخلل المؤسسي لا يعفي الفرد من مسؤوليته الأخلاقية، لأن العلم في النهاية ليس مجرد أسماء تُكتب على غلاف بحث، بل هو ضمير ومعرفة وإسهام حقيقي. فالباحث الحقيقي لا يُقاس فقط بما ينشره، وإنما أيضًا بما يلتزم به من أمانة علمية واحترام للحقيقة وحرص على أن يكون ما يقدمه إضافة نافعة لا مجرد رقم جديد في سجله الأكاديمي.
ولعل من أكثر القصص إلهامًا في هذا السياق قصة الفيزيائي البريطاني Peter Higgs، التي شاركها الزميل البروفيسور ربيع يس في أحد النقاشات الأكاديمية، وهي قصة تختصر الفارق بين كثرة النشر وعمق الأثر.
ففي زمن ترفع فيه بعض الجامعات شعار «انشر أو ارحل»، يظهر هيجز بوصفه نموذجًا مختلفًا تمامًا. فهذا الرجل، الذي حصل على Nobel Prize in Physics عام 2013، لم ينشر طوال حياته سوى ثماني عشرة ورقة علمية فقط، لكنه غيّر فهم البشرية للكون.
في عام 1964 نشر هيجز فكرة علمية ثورية في ورقة قصيرة للغاية لم تتجاوز صفحة ونصف، حاول فيها الإجابة عن سؤال معقد يتعلق بسبب امتلاك الجسيمات للكتلة. واقترح وجود مجال غير مرئي يملأ الكون كله، وأن تفاعل الجسيمات مع هذا المجال هو ما يمنحها الكتلة.
كانت الفكرة جريئة لدرجة أن المجلة العلمية رفضتها في البداية بحجة أنها لا ترتبط بوضوح بعلم الفيزياء. لكنه لم يغضب ولم يدخل في ضجيج إعلامي، بل أعاد صياغة الورقة وأضاف فقرة صغيرة أصبحت لاحقًا مفتاحًا لاكتشاف واحد من أهم الاكتشافات العلمية الحديثة.
واحتاج العالم إلى ما يقارب خمسين عامًا من العمل والتجارب في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية حتى تمكن العلماء عام 2012 من إثبات وجود هذا الجسيم عمليًا، ليحصل بعدها هيجز على جائزة نوبل في الفيزياء. وربما تكمن عظمة هذه القصة في أنها تؤكد أن قيمة البحث ليست في عدد صفحاته ولا في عدد ما يكتبه صاحبه سنويًا، وإنما في قدرته على إحداث فرق حقيقي في فهم الإنسان للعالم.
والمثير في القصة أن الرجل نفسه كان بعيدًا عن الأضواء بصورة لافتة، حتى إنه لم يكن يمتلك هاتفًا محمولًا، وعندما أُعلن فوزه بالجائزة لم يكن أحد قادرًا على الوصول إليه، لأنه كان يتناول الغداء في مطعم بسيط، وعرف الخبر مصادفة من جارته في الطريق.
لقد كان هيجز يمثل، بحسب وصفه الشخصي، “إحراجًا” لقسم الفيزياء في جامعة إدنبرة، لأن زملاءه كانوا ينشرون عشرات الأبحاث سنويًا بينما كان هو يقضي سنوات طويلة في التفكير والتأمل. حتى إن الجامعة كانت توجه له ملاحظات بسبب قلة إنتاجه الأكاديمي، قبل أن تكتشف لاحقًا أن القيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأوراق المنشورة، بل بعمق الفكرة وأثرها على المعرفة الإنسانية.
وهنا نعود إلى السؤال الجوهري الذي ينبغي أن تطرحه جامعاتنا اليوم: هل نحن نكافئ العلم الحقيقي فعلًا؟ أم نكافئ مجرد تراكم الأسماء والأوراق؟
فالأستاذ الجامعي ليس آلة لإنتاج المقالات، بل مشروع معرفي متكامل يشمل التدريس، والإشراف، وبناء الأجيال، وخدمة المجتمع، والتطوير العلمي، إلى جانب البحث الرصين. وهناك أساتذة ربما لم يتركوا وراءهم عشرات البحوث المنشورة، لكنهم صنعوا أجيالًا كاملة من الطلاب والباحثين، وكان أثرهم في الناس والعلم أعمق بكثير من أثر مئات الأوراق العلمية.
وربما آن الأوان لإعادة النظر في أنظمة الترقيات الأكاديمية بحيث لا يكون البحث وحده هو المعيار الحاكم، لأن اختزال قيمة الأستاذ الجامعي في عدد الأبحاث المنشورة قد يدفع البعض، عن قصد أو دون قصد، إلى التعامل مع البحث العلمي كواجب إداري لا كرسالة معرفية وإنسانية حقيقية. كما أن الجامعات مطالبة اليوم بأن تعيد التوازن بين الكم والكيف، وأن تبحث عن آليات تقييم أكثر عدلاً تنظر إلى جودة الأثر العلمي والتربوي والمجتمعي، لا إلى عدد الصفحات والأسماء فقط.



