
إنها ليست مجرد رياح عابرة تهب على الهضبة الإثيوبية، إنها عاصفة حقيقية، عاصفة تغيير عاتية تجتاح كل شيء، تقتلع القديم ولا تزرع الجديد، تهدم ولا تبني، وتبشر بليل طويل حزين يخيم على جوارنا الشرقي.
لقد ظن البعض أن إثيوبيا قد عبرت نفق الحرب وخرجت من دماء تيغراي إلى استقرار دائم، وظنوا أن سد النهضة سيكون مشروع الوحدة الوطنية الذي يلتف حوله الجميع، فإذا بالأرض تنشق مرة أخرى عن حرب جديدة، وإذا بالبارود يعود ليحرق إقليم الأمهرا، وإذا بطبول الحرب تقرع في أوروميا، وإذا بجسد الدولة الفيدرالية نفسه يتمزق عضواً عضواً.
إنها عاصفة حزينة بكل المقاييس، حزينة لأنها ليست صراعاً على سلطة فحسب، بل صراع على هوية وطن بأكمله، وطن كان يراد له أن يكون شرطي القرن الأفريقي وقوة ضاربة في الإقليم، فإذا به يتحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات العرقية ولتجريب السلاح ولتدخلات الخارج التي لا ترحم.
إن إثيوبيا اليوم تقف واقفاً على حافة الهاوية، جيش منهك حارب في كل الجبهات، واقتصاد مثخناً بالجراح يئن تحت وطأة الديون والحرب، وشعب متناحراً تزرع بينه بذور الكراهية زرعاً، فما الذي يبقى من وطن إذا تفرق دمه بين القبائل؟
وما يحزن القلب أكثر أن هذه العاصفة لم تأت من فراغ، بل صنعت صناعةً، فهناك من يريد لإثيوبيا أن تظل قوية بما يكفي لتهدد جيرانها وضعيفة بما يكفي لتظل تابعة، يريدونها قوة تقلق السودان ومصر وتستنزف مقدراتها في حروب داخلية لا تنتهي، فلا هي بنت سدها ولا هي أطعمت شعبها ولا هي حافظت على وحدتها.
إن عاصفة التغيير التي تجتاح إثيوبيا اليوم هي نذير شؤم للإقليم كله، فالدول لا تسقط وحدها، بل تسقط ومعها أمن جيرانها واستقرار المنطقة بأسرها، فانهيار إثيوبيا لا قدر الله يعني ملايين النازحين على حدود السودان، ويعني فوضى سلاح بلا صاحب، ويعني مشروعاً للفوضى الخلاقة يعاد إحياؤه من جديد.
فيا ليت أهل الحكمة في أديس أبابا يدركون أن الحل ليس في المزيد من الرصاص، وأن إثيوبيا التي حكمت بالحديد والنار لا يمكن أن تحكم بنفس الأدوات، وأن الفيدرالية العرقية التي قسمت الناس على أساس الدم هي نفسها التي ستذبح الوطن على مذبح الدم.وعلي إثيوبيا أن ترفع يدها من دعم مليشيات الدعم السريع وتكف عن أذية السودان استقرار السودان من استقرار إثيوبيا والعكس.
إنها لحظة حزينة، نشهد فيها جارة كانت ومازالت تدعم الفوضي وتقلق السودان نشاهدها وهي تتمزق ، ونشهد فيها كيف أن أحلام الإمبراطوريات الكبرى تتحول إلى كوابيس صغرى، فالتغيير إذا لم يكن نحو العدل والمواطنة والوحدة فإنه يصبح عاصفة هوجاء لا تبقي ولا تذر.
وسيظل السودان رغم جراحه ورغم الأذية الكبيرة التي لحقت به، ينظر إلى جواره بحزن الكبير لا بحقد الصغير.
ينظر إلى عاصفة إثيوبيا بقلب مجروح يعرف ثمن الحرب ويعرف رائحة الدم، ويتمنى من أعماق قلبه أن تهدأ العاصفة هناك قبل أن تعصف بإثيوبيا وتقتلع ما تبقى من وحدتها.
فنحن لسنا شامتين، وحزن الجار من حزننا، ونار الجار إذا اشتعلت لن تترك بيتنا آمناً.



