توفيق البدري عكاشة يكتب : الحرب .. سانحة التعافي وانعتاق من عقلية ” اقتصاد الدكان “
كاتب صحفي ورئيس تحرير

رائحة خبز حملها الهواء من كوة مخبز بلدي صنعه صاحب دار من ماء وتراب في قلب داره، عوضاً عن عشرات الأفران الحديثة التي كانت تنتظم حي تعويضات بيت المال قبل الحرب، أتت عليها أيدي الدعامة الآثمة نهباً وتدميراً..
مخبز لا تتجاوز مساحته متراً مربعاً.. صنعته الحاجة أم الاختراع، وأحشاء صغار تئن تطلب ما يسكت جوعها.
في صباحٍ ما، بعد أن انسحبت أقدام الدعامة من دار في حي تعويضات بيت المال بأمدرمان ، دخل صاحبه. لم يجد ثلاجته، لم يجد ذهب زوجته، وجد حائطاً مكتوباً عليه بالفحم “جاهزية فوق “.
جلس في نص الحوش الممتلئ بنثار الزخيرة وعلى غرة من رائحة البارود، تسللت لانفه تلك الريحة حملتها نسمات الفجر من الفرن البلدي في آخر الحي.. فرن لم يتوقف حتى تحت القصف.
في تلك اللحظة أدرك ان الدعامة سرقوا ألاموال والسيارات والأثاث من تعويضات بيت المال، لكنهم لم يستطيعوا سرقة إرادتنا في صنع الحياة. سرقوا العفش، لكنهم لم يستطيعوا سرقة فكرة أننا سنخبز مرة أخرى. أعادونا إلى نقطة الصفر، نعم.. لكنهم لم يكبلوا إرادتنا.
إرادة قدرت لأقدامنا خطى أكثر ثباتاً. و أرشد دليلاً ممن يمشي مكباً على وجهه، بل بعونه تعالى اهتدينا إلى صراط مستقيم .
تلك كانت لحظة تعافي اقتصادي.. ليست في بنك السودان، بل في حوش بيت من بيوت الحي ، عندما يقرر المواطن أن يشعل فرن من طين رغم أن البيت فارغ.
فمن يصنع فرناً من ماء وتراب في زمن النهب، قادر أن يصنع ميناءً من العدم، ومصنعاً من الرماد، ودولة من وجع .
الانعتاق من عقلية الكنتين !
الحرب لم تدمر اقتصاداً قوياً.. الحرب كشفت أننا لم نكن نملك اقتصاداً أصلاً . كنا نملك دكاناً كبيراً جداً ، واجهته لامعة، لكنه يبيع بضاعة غيره.
كنا نبيع الذهب خاماً كما يجده الدهابي ، ونستورد الحلي من دبي . نبيع السمسم خاماً ونستورد الزيت . نبيع الماشية حية ونستورد منتجاتها من عزيز دولار ادخرناه ( كما دم الحجامة ) . لدينا ميناء واحد متهالك هو بورتسودان منذ 1906، نؤجره، ونمد يدنا للمنحة والقرض.
الدعامة عندما دخلوا تعويصات بيت المال لم يدمروا مصنعاً.. لأنه لم يكن هناك مصنع. دمروا الدكان.. نهبوا الثلاجة والشاشة والذهب . ولهذا كان من السهل نهبنا .
الانعتاق من عقلية الدكان يعني أن نتحول من بائع مواد خام إلى صانع قيمة. من ينتظر الإغاثة و العطايا إلى من يخبز خبزه من طين بيته. من يد سفلى إلى دولة مهابة بقوة اقتصادها .. تحرسها المهابة قبل السلاح.
من هنا.. نبدأ الخطى ..
أولاً: ما بدأنا به فعلاً – خيط النور بعد تحرير الخرطوم و الجزيرة و النيل الابيض و تخوم كردفان
أفلحت الحكومة هذه المرة ، لم تنتظر توقف الدخان . وهي تبني والمحرقة لا تزال دافئة، وهذا هو الفرق بين عقلية الدكان وعقلية المصنع .
ميناء أبو عمامة – الانعتاق السيادي :
قبل أيام فقط ، في فندق مارينا ببورتسودان، أعلن حسن جعفر رئيس اللجنة العليا للموانئ : بدأنا فعلياً مع شركة صينية عملاقة بناء ميناء أبو عمامة، 200 كلم شمال بورتسودان، مياه عميقة بعمق 18 متراً تستقبل أمهات السفن بلا تجريف، جاهز نهاية 2027، وبقدرة 10 ملايين حاوية.
القصة ليست ميناء .. القصة سيادة وانعتاق. في 2022 باعت الحكومة السابقة هذا الميناء لتحالف إماراتي (موانئ أبوظبي وإنفكتوس المملوكة لحمدتي) بـ 6 مليار دولار. وفي نوفمبر 2024، بعد أن ثبت بالدليل القاطع دعم الإمارات للدعامة الذين دنسوا بيوتنا وأحرقوا أفراننا، ألغى مجلس السيادة الصفقة نهائياً.
هذه أول مرة في تاريخنا نقول: موانئنا ليست للبيع. صاحب فرن الطين قال لن أموت جوعاً رغم نهبكم، والدولة قالت لن نبيع سيادتنا رغم حاجتنا. نفس الحبل المؤثوق بالإرادة .. حبل الكرامة قبل الخبز.
مشاريع الانعتاق الأخرى :
عودة مصفاة الجيلي التي كانت تطعم السودان وقوداً، وتلقم الصادر حجرا .
عودة المطاحن التي كانت تطعم خبزاً .
وافتتاح مكاتب الشركة السودانية للموارد المعدنية في 7 ولايات منتجة بعد أن كانت 3 فقط، وطريق أبو عمامة – أبو حمد الزراعي الذي سيربط ذهب الصحراء بقمح الجزيرة . هذه ليست مشاريع.. هذه حبال واثقة تربط الوطن ببعضه بعد أن قطعه الدعامة.
ثروتنا المنهوبة بأرقام تبكي :
مشروع الجزيرة – من بنك السودان إلى عبء السودان:
الجزيرة ليست أرضاً .. الجزيرة كانت بنك السودان المركزي . كان القطن يسمى الذهب الأبيض ويمول 60% من الميزانية حتى السبعينات. اليوم نستورد قمحاً بـ 600 مليون دولار سنوياً وأرضنا عطشى.
لماذا انهار ؟ لأنا أدرناه بعقلية الدكان .. الحكومة تأخذ، المزارع يزرع بالدين ، والسمسار يربح .
الحل ليس مالاً .. الحل مروءة وانعتاق . تحويل المشروع لشركة قابضة يملكها المزارع نفسه سهماً بسهم، والدولة شريك منظم، وربطه مباشرة بميناء أبو عمامة عبر السكة حديد. نزرع ما نأكل ونصدر ما يزيد. نعود من اقتصاد الدكان إلى اقتصاد البنك.
الذهب – الجرح النازف :
هنا الأرقام تصرخ وتحتاج قلباً قوياً :
أنتج السودان في 2025 ( 70 طن ذهب ) ، بزيادة عن 64 طن في 2024. ( 58 طن منها من التعدين الأهلي ) ، أولادنا في كردفان ونهر النيل يحفرون بأيديهم العارية ويموتون في الآبار .
قيمة هذا الذهب اليوم بسعر السوق العالمي أكثر من ( 5.5 مليار دولار ) .
لكن كم دخل خزينة الدولة رسمياً عبر القنوات الرسمية ؟ ( 14.7 طن فقط بقيمة 1.5 مليار دولار ).
أين ذهب 55 طناً ؟ طارت.. كما طارت أفران تعويضات بيت المال.. عبر نفس الدروب، بنفس شبكات التهريب، لنفس الكفيل الذي اشترى موانئنا. أكثر من ( 50% من ذهبنا يهرب ) حسب تقرير الأمم المتحدة .
كنا نبيع 99% من ذهبنا للإمارات، اليوم بعد الحرب وبعد إلغاء احتكارها، قلت حصة الإمارات لـ 56% وظهرت مصر كمشترٍ بـ 4.9 طن.. هذا يثبت أن الانعتاق ممكن لو وجد القرار.
مقترح الانعتاق :
كما حمى صاحب الدار فرنه الطيني بجسده، يجب أن نحمي ذهبنا بقوانين تحميه لا تطارد الفقير :
* بورصة ذهب في بورتسودان : سعر عادل وشفاف ، يشتري منه البنك المركزي مباشرة في موقع الإنتاج قبل أن يهرب لأسوان ودبي.
* مصفاة سودانية بمواصفات عالمية :
لماذا نرسل ذهبنا خاماً ليصاغ في دبي ونستورده حلياً بأضعاف سعره ؟ عقلية الدكان تبيع الخام، عقلية المصنع تبيع الخاتم و الاساور .
* سلامة المعدن التقليدي : 67 عاملاً ماتوا في منجم الزرع بغرب كردفان قبل شهرين انهار عليهم البئر.. هل نهضتنا على جثثهم ؟ : تقنين آمن يحفظ حياتهم ويحفظ ذهبنا.
ثالثاً : دول أكلت من نفس الطبق المر ونهضت :
1. اليابان – من هيروشيما إلى تويوتا :
6 أغسطس 1945، قنبلة واحدة محت 140 ألف إنسان في ثانية. لم تجلس اليابان تبكي من ضربة أمريكا الموجعة ، وتطلب تعويضات .. جلست تخبز . معلم ياباني جمع أطفاله تحت شجرة بعد القنبلة بيومين وقال: ” سنصنع سيارة تنسي العالم القنبلة “. كانت تويوتا تصنع نول نسيج، أصبحت أكبر شركة سيارات في العالم. سرها: الإنسان قبل البنيان، والفرن قبل المصنع.
2. ألمانيا – من الرماد إلى الماكينة :
80% من مصانعها مدمرة، نساؤها يزيلن الركام بأيديهن Trümmerfrauen. قالوا: لن نطلب تعويضات، نطلب آلات. ركزوا على الورشة الصغيرة Mittelstand التي تصنع أفضل مسمار في العالم. نهضوا وصار اقتصادهم رابع اقتصاد.
3. رواندا – من رائحة الدم إلى رائحة الزهور:
1994، مليون قتيل بالسواطير في 100 يوم، جار يقتل جار. رواندا كانت مثلنا تماماً.. خطاب كراهية واغتصاب ونهب. ماذا فعلت ؟ منعت خطاب الكراهية بالقانون (مثل فكرة مهرجان امدرمان للتعافي الوجداني)، وقالت: لا نملك ذهباً ، نملك شعباً. اليوم دخل الفرد فيها أعلى من السودان، وشوارع كيجالي أنظف من باريس.
4. كوريا الجنوبية – من لا شيء إلى سامسونج :
1953، كانت أفقر من السودان، حرب أهلية أكلت 3 ملايين. كانت تصدر شعراً مستعاراً وتصنع أحذية بلاستيك. استثمرت في تعليم ابن الفقير مجاناً. اليوم تبيع للعالم هاتفك وسيارتك.
كلهم كانوا في نقطة الصفر مثلنا.. لكنهم لم يمشوا مكبين على وجوههم.
الخلاصة: مطلوبات نهضة أم درمان :
اولا. جبر النفوس قبل الاجسام : لا تعافي اقتصادي بلا تعافي وجداني. لن يزرع مزارع الجزيرة وهو مرعوب من عودة الدعامة، ولن يعود تاجر تعويضات بيت المال ودكانه منهوب. كما جبرنا كسر العظم في مستشفى النو بالثورات وعلاجنا مجاناً، نجبر كسر الوجدان في كل بيت زرع فيه الدعامة نبتة رعب .
ثانيا . بورصة قبل بنك : أوقفوا تهريب الذهب أولاً بإنشاء بورصة ومصفاة، ثم فكروا في زيادة الإنتاج. أغلقوا حنفية التهريب قبل أن تملأوا الخزان.
ثالثا . فرن قبل ميناء : ميناء أبو عمامة مهم للسيادة، لكن فرن الحي أبو متر في متر أهم للكرامة. النهضة تبدأ عندما تشم أم درمان و أم روابة و أم سنط ريحة الخبز المعجون في كل بيت من جديد، لا عندما ترسو أول سفينة.
الحرب كانت نكبة.. لكنها غسلت سوقنا الفاسد. كشفت أننا كنا نعيش بعقلية الدكان. الآن إما أن نبني اقتصاد المصنع والفرن والميناء.. أو نعود لدكان التهريب القديم فينتظرنا دعامة جدد.
والله غالب على أمره.



