حين تُحاصر السلع… يُحاصر المواطن

الخرطوم : المعز مجذوب خليفه
لم يعد المواطن السوداني اليوم يبحث عن الرفاهية، ولا عن حياة مترفة، ولا حتى عن تحسين مستوى معيشته؛ لقد أصبح جلُّ همه أن يجد لقمة عيش تسد رمق أطفاله، وأن يستطيع توفير الحد الأدنى من احتياجات أسرته في وطن أنهكته الحرب، وأثقلته الأزمات الاقتصادية، وأرهقته الأسعار.
وفي ظل هذا الواقع القاسي، تبرز قضية تحتاج إلى مراجعة جادة: حصر بعض السلع في الاستيراد، مقابل ضعف الرقابة الفعلية على الأسواق والأسعار.
فإذا كان الهدف من تنظيم الاستيراد هو حماية الاقتصاد الوطني، ودعم الإنتاج المحلي، والحفاظ على النقد الأجنبي، فهذا هدف مفهوم. لكن السؤال الأهم هو: ماذا يحدث للمواطن عندما تقل السلع في الأسواق، بينما لا توجد رقابة كافية تمنع المغالاة والاحتكار واستغلال حاجة الناس؟
النتيجة ببساطة: يدفع المواطن الثمن مرتين؛ مرة بسبب ارتفاع تكلفة الاستيراد، ومرة أخرى بسبب غياب الرقابة على حلقات التداول.
وتؤكد تقارير حديثة أن أسعار الحبوب في السودان وصلت إلى مستويات استثنائية؛ فقد ارتفعت أسعار الذرة الرفيعة والدخن في معظم الأسواق خلال أغسطس 2026، وأصبحت في المتوسط تقارب ثمانية أضعاف مستويات ما قبل الحرب في مارس 2023. كما أشارت التقارير إلى تأثير ضعف الإنتاج وارتفاع أسعار الوقود والمدخلات الزراعية واضطراب التجارة على الأسعار.
FAOHome +١
سعر الصرف… حديث آخر لا يقل وجعاً
أما سعر الصرف، فحدث ولا حرج.
فالعملة الوطنية تحت ضغط مستمر، وأي تراجع في قيمتها ينعكس سريعاً على السلع المستوردة، ثم ينتقل أثره إلى السلع المحلية من خلال ارتفاع تكلفة النقل والإنتاج والمدخلات.
وقد سجل التضخم السنوي في السودان 51.28% في يونيو 2026، وفق بيانات رسمية نقلتها تقارير صحفية، مع استمرار تراجع الجنيه وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية.
Sudan Tribune
وهنا يجب أن ندرك أن المواطن لا يشتري الدولار؛ لكنه يدفع ثمن ارتفاعه في كل شيء تقريباً: في الغذاء، والدواء، والنقل، والزراعة، ومواد البناء، والخدمات.
والزراعة… هل نستطيع أن نطلب من الأرض ما لم نعطها؟
الزراعة هي خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي السوداني، ولكن الموسم الزراعي الحالي يواجه تحديات حقيقية.
فبحسب منظمة الأغذية والزراعة FAO، شهدت مناطق واسعة من البلاد خلال موسم الأمطار لعام 2026 معدلات هطول أقل من المتوسط، مع وجود مخاوف بشأن إنتاج الحبوب بسبب الجفاف النسبي، وانعدام الأمن، ونقص المدخلات. كما أشارت المنظمة إلى أن إنتاج الحبوب في 2025 كان أقل بنحو 22% من إنتاج 2024.
FAOHome
وفي كردفان ودارفور تحديداً، وردت تحذيرات من ضعف الأمطار وفترات الجفاف وتأثيرها على المحاصيل، بما يهدد الإنتاج ويزيد احتمالات ارتفاع أسعار الحبوب.
Dabanga Radio TV Online
لكن ضعف الأمطار ليس وحده المشكلة.
هناك ضعف التمويل الزراعي، وارتفاع أسعار التقاوى والأسمدة والمبيدات والوقود، وصعوبة وصول المزارع إلى التمويل والمدخلات والأسواق.
فكيف نطالب المزارع بزيادة الإنتاج، بينما لا نوفر له التمويل الكافي؟
وكيف نريد منه أن ينافس في السوق، بينما تكلفة مدخلاته ترتفع بصورة مستمرة؟
المطلوب ليس القرارات وحدها… بل حماية أثرها على المواطن
نحن بحاجة إلى سياسة اقتصادية تنظر إلى المواطن باعتباره محور الاقتصاد، لا مجرد متلقٍ للقرارات.
تنظيم الاستيراد يجب أن يكون مصحوباً بزيادة الإنتاج المحلي، والرقابة على الأسواق يجب أن تكون حقيقية وفعالة، وليس مجرد حملات مؤقتة.
نحتاج إلى:
مراجعة قوائم السلع التي تخضع لقيود الاستيراد وفقاً لحاجة السوق والإنتاج المحلي.
تشديد الرقابة على الاحتكار والتخزين بغرض المضاربة.
مراقبة حلقات الوساطة والتوزيع، وليس التاجر الصغير وحده.
توجيه التمويل بصورة أكبر إلى الزراعة والإنتاج الحيواني والصناعات الغذائية.
توفير مدخلات الإنتاج للمزارعين في الوقت المناسب وبأسعار يمكن تحملها.
دعم مشروعات الري والحصاد المائي لمواجهة تذبذب الأمطار.
بناء مخزون استراتيجي من السلع الأساسية.
نشر مؤشرات واضحة للأسعار وتكلفة الاستيراد والإنتاج حتى يعرف المواطن أين تتشكل الزيادة الحقيقية.
إن الأمن الغذائي ليس ملفاً تجارياً فقط، بل قضية أمن قومي واستقرار اجتماعي.
فالجائع لا يستطيع أن ينتظر طويلاً حتى تتحسن المؤشرات الاقتصادية، والأسرة التي لا تجد ثمن الغذاء لا يعنيها كثيراً الحديث عن المؤشرات بقدر ما يعنيها أن تجد ما تطعم به أطفالها.
السودان بلد زراعي، يمتلك الأرض والمياه والثروة الحيوانية والموارد البشرية، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاج حقيقي يحتاج إلى قرار اقتصادي واضح، وتمويل جاد، ومدخلات متاحة، وأسواق منضبطة، وبيئة إنتاج آمنة.
والرسالة التي يجب أن تصل اليوم إلى صانع القرار واضحة:
لا تحاصروا السلعة على المواطن، ولا تتركوا السوق بلا رقابة، ولا تطلبوا من المزارع إنتاجاً بلا تمويل ومدخلات، ثم نندهش بعد ذلك من ارتفاع الأسعار.
فالمواطن السوداني صبر كثيراً، وتحمل كثيراً، ودفع ثمن الحرب والاقتصاد المتعثر من قوته اليومي.
وحان الوقت لأن تكون لقمة العيش أولوية الدولة الأولى.



