الحوار السوداني في زمن الحرب… هل تستطيع قاعة ناقصة أن تصنع سلامًا كاملًا؟

بقلم: المعزمجذوب خليفه
منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تتوقف المبادرات والنداءات والوساطات التي تبحث عن طريق يقود البلاد إلى السلام.
ولكن بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، أصبح السؤال أكبر من مجرد: هل نحتاج إلى الحوار؟
نعم، السودان يحتاج إلى الحوار.
لكن السؤال الأخطر هو:
أي حوار؟ ومن يجلس حول الطاولة؟ ومن بقي خارجها؟ ومن يملك التفويض ليتحدث باسم ملايين السودانيين الذين يدفعون ثمن الحرب يومًا بعد يوم؟
وهنا تحديدًا تصبح كردفان ودارفور أمام امتحان تاريخي.
الحوار الذي لا يسمع صوت المتضررين… حوار ناقص
لا يمكن أن نتحدث عن حوار سوداني شامل وكأن السودان كله يعيش ظروفًا واحدة.
هناك سودانيون يعيشون في مناطق آمنة نسبيًا، وهناك سودانيون يعيشون الحرب بكل تفاصيلها.
هناك من يناقش شكل الدولة من داخل قاعات مكيفة، وهناك من يبحث عن الماء والدواء والغذاء والأمان.
هناك من يملك القدرة على السفر إلى قاعة الحوار، وهناك مواطن في كردفان أو دارفور لا يستطيع حتى مغادرة منزله بسبب ظروف الحرب.
فهل يجوز أن يكون حضور الأول سياسيًا كاملًا، بينما يتحول غياب الثاني إلى صمت سياسي؟
هنا تكمن المشكلة.
المبادئ التي أُعلنت في مؤتمر برلين الثالث بشأن السودان أكدت أن مستقبل الحكم يجب أن يقرره السودانيون عبر عملية سياسية سودانية شاملة وشفافة، وأن العملية ينبغي أن تعكس الأصوات المتنوعة للسودانيين داخل البلاد وخارجها.
إذن القضية ليست اختراعًا سياسيًا.
إنها أصل من أصول أي عملية سلام ذات مصداقية:
أن يسمع الحوار السودان كله.
كردفان ليست هامشًا سياسيًا
لنكن أكثر وضوحًا.
كردفان ليست مجرد مسرح للمعارك.
وليست مجرد طريق عسكري بين المركز ودارفور.
وليست مجرد رقم في الخريطة السودانية.
كردفان إقليم له تاريخه ومجتمعاته ومصالحه وموارده وتعقيداته السياسية والاجتماعية.
واليوم، بينما تمتد العمليات العسكرية إلى أجزاء واسعة من كردفان، يصبح من المستحيل منطقيًا أن يُرسم مستقبل السودان دون أن يكون لأهل كردفان حضور حقيقي في النقاش حول مستقبل الدولة.
فمن يتحدث عن:
الأمن في كردفان؟
ومن يتحدث عن:
التنمية؟
ومن يتحدث عن:
إعادة الإعمار؟
ومن يناقش:
الإدارة والحكم المحلي؟
ومن يناقش:
قضايا الأرض والموارد؟
ومن يسمع أصوات النازحين والمتضررين؟
ومن يضمن ألا تعود كردفان بعد انتهاء الحرب إلى مربع التهميش نفسه؟
هذه ليست أسئلة إقليمية صغيرة.
هذه أسئلة تتعلق بمستقبل الدولة السودانية نفسها.
ودارفور كذلك… لا يمكن اختزالها في بند أمني
دارفور دفعت ثمنًا بالغًا خلال العقود الماضية، وجاءت الحرب الحالية لتضيف طبقات جديدة من المعاناة والنزوح والانتهاكات.
وقد وثقت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي انتهاكات خطيرة في مناطق مختلفة من السودان، بما فيها دارفور وكردفان، ودعت إلى حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية والتحقيق في الجرائم.
لذلك لا ينبغي أن تدخل دارفور إلى أي حوار فقط باعتبارها ملفًا أمنيًا أو إنسانيًا.
دارفور لديها أسئلة سياسية أيضًا.
لديها أسئلة حول الدولة.
وحول العدالة.
وحول التنمية.
وحول السلطة.
وحول الموارد.
وحول العلاقة بين المركز والأقاليم.
وحول الضمانات التي تمنع إعادة إنتاج أسباب الحرب.
ومن الخطأ الاعتقاد أن انتهاء المعارك وحده يعني انتهاء الأزمة.
الحرب قد تتوقف، لكن أسباب الحرب إذا بقيت فإنها تستطيع أن تعود بأسماء جديدة.
هل المواطن في كردفان ودارفور غير معني بالحوار؟
هذا السؤال يجب أن يُطرح بصراحة.
هل المواطن الكردفاني أو الدارفوري غير معني بما يجري في قاعات الحوار؟
أم أن المشكلة أن قضايا هذا المواطن لم تجد حتى الآن المكان الذي تستحقه؟
أنا أرى أن المواطن في كردفان ودارفور ليس مجرد متلقٍ لنتائج الحوار.
إنه صاحب مصلحة مباشرة في مخرجاته.
فهو الذي يريد الأمن.
وهو الذي يريد عودة النازحين.
وهو الذي يريد المدارس والمستشفيات.
وهو الذي يريد الطرق والأسواق.
وهو الذي يريد العدالة.
وهو الذي يريد دولة لا يشعر فيها أن المركز يقرر، والأقاليم تدفع الثمن.
ولهذا فإن تمثيل كردفان ودارفور يجب ألا يكون تمثيلًا شكليًا.
ليس المطلوب أن نضع اسم كردفان في قائمة الحضور، ثم نعود إلى الطريقة القديمة في صناعة القرار.
المطلوب أن تكون هناك قدرة حقيقية على التأثير في أجندة الحوار ومخرجاته.
الأحزاب… من منحها حق الحديث باسم الشعب؟
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية.
الأحزاب السياسية جزء أصيل من الحياة العامة.
لكن هل كل حزب يشارك في حوار يصبح تلقائيًا ممثلًا للشعب السوداني؟
بالطبع لا.
المشاركة السياسية شيء.
والتفويض الشعبي شيء آخر.
والثقة شيء ثالث.
والانتخابات الحرة والمنافسة السياسية والبرامج الواضحة والمساءلة هي التي تستطيع، في الظروف الطبيعية، أن تمنح الأحزاب تفويضًا شعبيًا واضحًا.
أما في ظروف الحرب، فإن السؤال يصبح أكثر تعقيدًا.
من يقيس شعبية الحزب؟
ومن يعرف حجم التأييد الحقيقي له؟
ومن يستطيع أن يقول إن هذا الحزب يتحدث باسم كردفان، أو دارفور، أو الشرق، أو الوسط، أو الشمال؟
هذه الأسئلة لا يجوز الهروب منها.
الأزمة ليست في وجود الأحزاب… بل في فجوة الثقة
المشكلة ليست أن الأحزاب تجلس وتتحاور.
بل إن الحوار السياسي يحتاج إلى الأحزاب.
لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الأحزاب إلى بديل عن المجتمع.
الحزب لا ينبغي أن يقول:
أنا أمثل الشعب.
بل يجب أن يثبت ذلك عبر الممارسة السياسية والتواصل مع الناس والبرامج والمواقف والمساءلة.
وفي السودان اليوم توجد قوى سياسية ومدنية وعسكرية ومجتمعية متعددة، وكل منها يحمل تصورًا مختلفًا بشأن مستقبل الدولة وشروط السلام.
حتى الآلية الخماسية المكونة من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والإيقاد والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية أعلنت أنها تسعى إلى عملية سياسية سودانية شاملة ومملوكة للسودانيين، لكنها واجهت خلافات بين القوى السودانية حول المشاركين وشكل العملية.
وهذا يعني أن أزمة الثقة ليست وهمًا.
إنها جزء من الأزمة السياسية نفسها.
تعدد المبادرات… هل يقود إلى الحل أم إلى مزيد من الانقسام؟
اليوم توجد أكثر من مبادرة ومسار.
هناك مسار مرتبط باللجنة التحضيرية للحوار السوداني ـ السوداني في الخرطوم.
وهناك مبادرة مدنية مستقلة أعلنت أنها تريد بناء مسار مدني، كما أن الآلية الخماسية الدولية تواصل مشاوراتها مع أطراف سودانية مختلفة.
وفي المقابل، رفضت بعض شبكات المجتمع المدني اللجنة التحضيرية التي أُنشئت في الخرطوم، معتبرة أن ظروف الحرب ورعاية السلطة العسكرية لها تثير أسئلة حول الحياد والمصداقية. وهذه مواقف منسوبة إلى الجهات الرافضة وليست حقيقة متفقًا عليها من جميع الأطراف.
وهنا ينبغي أن نتوقف.
لأن تعدد المبادرات ليس بالضرورة مشكلة.
لكن المشكلة عندما يتحول تعدد المبادرات إلى تعدد شرعيات.
عندها يصبح كل طرف يقول:
أنا أمثل السودان.
والسؤال:
أين السودان نفسه من كل ذلك؟
السلام لا يُصنع في الخرطوم وحدها
هذه هي الرسالة التي يجب أن تصل إلى الجميع.
السودان أكبر من الخرطوم.
والدولة السودانية ليست مجموعة من النخب السياسية التي تتبادل المقاعد.
السودان هو:
كردفان.
دارفور.
الشرق.
النيل الأزرق.
الوسط.
الشمال.
الخرطوم.
وكل قرية ومدينة ومعسكر نزوح ومجتمع ريفي وحضري.
ولهذا فإن الحوار الحقيقي يجب أن ينزل من مستوى النخب إلى المجتمع.
ينبغي أن توجد آليات لسماع المواطنين في المناطق المتأثرة بالحرب، وأن تُنقل مطالبهم إلى طاولة الحوار بطريقة منظمة وشفافة.
ليس عبر شخص واحد يدعي تمثيل منطقة كاملة.
ولا عبر حزب يقول إنه يمثل الإقليم.
ولا عبر مجموعة سياسية تتحدث نيابة عن الملايين دون آلية واضحة للتفويض.
ماذا تريد كردفان من الحوار؟
السؤال ينبغي ألا يكون:
من يمثل كردفان؟
فقط.
بل:
ماذا تريد كردفان؟
هذه نقطة جوهرية.
نحتاج إلى نقاش كردفاني واسع حول:
شكل الحكم والإدارة.
توزيع السلطة والثروة.
التنمية وإعادة الإعمار.
الخدمات الأساسية.
الأمن وحماية المدنيين.
معالجة آثار الحرب.
قضايا الأرض والموارد.
دور المجتمعات المحلية.
العدالة والمصالحة.
العلاقة بين الإقليم والمركز.
ضمانات عدم العودة إلى الحرب.
وهذا النقاش لا ينبغي أن تحتكره نخبة واحدة.
بل يجب أن تشارك فيه المجتمعات المحلية والقوى السياسية والمجتمع المدني والشباب والمرأة والإدارات الأهلية والمهنيون وأصحاب المصلحة الحقيقيون.
وماذا تريد دارفور؟
السؤال نفسه يجب أن يُطرح في دارفور.
لا نريد أن تتحول دارفور إلى عنوان في اتفاق سلام جديد.
نريد معالجة الجذور.
العدالة.
الأمن.
عودة النازحين واللاجئين.
إعادة الإعمار.
التنمية.
المصالحة.
التمثيل السياسي.
وضمانات عدم تكرار دورة العنف.
فإذا لم تعالج هذه الملفات، فإن السلام يصبح مجرد هدنة مؤجلة الانفجار.
الحوار الحقيقي يجب أن يبدأ من سؤال الثقة
قبل أن نسأل:
ماذا اتفقتم عليه؟
علينا أن نسأل:
هل يثق بكم المواطن؟
وهذا السؤال لا يستهدف حزبًا بعينه.
بل يشمل الجميع.
القوى السياسية.
الحركات المسلحة.
المؤسسات العسكرية.
المجتمع المدني.
القيادات الأهلية.
النخب.
وكل من يريد أن يتحدث باسم السودان.
الثقة لا تُطلب.
الثقة تُبنى.
ولا تُبنى بالبيانات.
بل بالممارسة.
ولا تُبنى بالمؤتمرات.
بل بالاقتراب من المواطن.
ولا تُبنى بادعاء التمثيل.
بل بفتح المجال أمام الناس ليقولوا ماذا يريدون.
أخطر شيء… أن نصنع سلامًا لا يشعر به الناس
قد تجلس النخب.
وقد توقع.
وقد تبتسم أمام الكاميرات.
وقد تعلن انتهاء الخلاف.
لكن السؤال الذي سيبقى في الشارع:
هل تغيرت حياة المواطن؟
هل عاد النازح؟
هل عاد الأمن؟
هل عادت المدرسة؟
هل عاد المستشفى؟
هل عادت الأسواق؟
هل عادت الزراعة؟
هل شعر المواطن أن الدولة أصبحت دولته؟
إذا كانت الإجابة لا، فإن الاتفاق مهما كان اسمه سيظل بحاجة إلى اختبار حقيقي في أرض الواقع.
السودان يحتاج إلى حوار لا إلى مسرح سياسي
الحوار ليس منصة لتبادل الاتهامات.
وليس وسيلة لإعادة تدوير النخب.
وليس مسابقة لمن يجلس في الصف الأول.
وليس مؤتمرًا لإنتاج وثيقة جديدة تضاف إلى مكتبة الاتفاقات السودانية.
الحوار يجب أن يكون مشروعًا لإعادة تأسيس الدولة.
دولة يشعر فيها الكردفاني بأنه سوداني كامل الحقوق.
ويشعر فيها الدارفوري بأنه سوداني كامل الحقوق.
ويشعر فيها أهل الشرق والوسط والشمال والنيل الأزرق والخرطوم بالقدر نفسه من الانتماء والمواطنة.
كلمة أخيرة
السودان اليوم أمام فرصة تاريخية، لكنها فرصة شديدة الصعوبة.
فالقتال مستمر في أجزاء من البلاد، ومنها كردفان ودارفور، بينما تتواصل التحركات السياسية والدبلوماسية بحثًا عن مسار للحوار والسلام. وفي سبتمبر 2026، تحدثت تقارير عن تصاعد القتال في كردفان ودارفور بالتزامن مع تحرك دبلوماسي متزايد.
ولهذا لا ينبغي أن نختصر السؤال في:
من انتصر في قاعة الحوار؟
السؤال الحقيقي:
هل انتصر السودان؟
ولا ينبغي أن نسأل:
كم حزبًا حضر؟
بل:
كم مواطنًا شعر أن صوته وصل؟
ولا ينبغي أن نقول:
لدينا حوار.
قبل أن نسأل:
هل لدينا حوار يسمع كردفان ودارفور فعلًا؟
إن السلام الذي لا يشارك في صناعته المتضررون منه، والسلام الذي لا يستمع إلى المناطق التي دفعت الثمن الأكبر، والسلام الذي يعيد توزيع المقاعد بين النخب دون معالجة جذور الأزمة، سيظل سلامًا هشًا.
أما السلام الحقيقي، فهو الذي يجعل المواطن السوداني يقول:
هذه الدولة دولتي، وهذا الحوار حواري، وهذا المستقبل مستقبلي.
فيا أهل السياسة…
لا تتحدثوا عن السودان من دون أن تسمعوا السودان.
ويا أهل الحوار…
لا تبنوا طاولة من ثلاثة أطراف، ثم تطلبوا من شعب كامل أن يصدق أنها طاولة الوطن.
ويا أهل كردفان ودارفور…
إن صوتكم ليس هامشًا في الحوار، لأنكم جزء من قلب السودان، ومن حقكم أن تكونوا شركاء حقيقيين في صناعة السلام وصياغة مستقبل الدولة.


