مقالات

دكتورجادالله فضل المولي يكتب : من يرزقنا في الرخص يرزقنا في الغلاء

نقطة ارتكاز

 

مع ارتفاع الدولار واشتعال أسعار العملات الصعبة مقابل الجنيه، لم يعد القلق مجرد خوفاً عابراً في قلوب الناس، بل صار هماً ثقيلاً يجثم على الصدور، وصار المواطن يخرج من بيته وهو يحمل هم قفة الملاح قبل هم الحرب، ويعود وهو يحسب كم خسر جنيهه اليوم أمام جشع التجار وطمع السوق الموازي.

في وسط هذا الذعر وهذا الهلع، نحتاج أن نتوقف قليلاً ونتمعن هذا الأثر العظيم الذي يحمل دواءً للقلوب قبل أن يكون دواءً للجيوب.

أتى الناس إلى سلمة بن دينار فقالوا له يا أبا حازم أما ترى قد غلا السعر فقال وما يغمكم من ذلك إن الذي يرزقنا في الرخص هو الذي يرزقنا في الغلاء.

وقيل لبعض السلف قد غلت الأسعار فقال أخفضوها بالاستغفار.

إنها ليست دعوةً للسلبية ولا للسكوت على تجار الأزمات الذين يمصون دم هذا الشعب، بل هي دعوةٌ لتصحيح العقيدة وتثبيت اليقين، فالسوق وإن تحكم فيه الفاسدون فإن الرزق بيد الله وحده، والدولار وإن ارتفع ألف مرةٍ فإنه لا يرزق أحداً ولا يمنع رزق أحدٍ.

نحن اليوم نعبد الدولار ونحن لا نشعر، نتابعه في كل لحظةٍ وننسى رب الدولار، نخاف من تاجر عملةٍ أكثر مما نخاف من الله، ونظن أن رزقنا بيد بورصةٍ أو بيد مهربٍ أو بيد سمسارٍ، وقد نسينا أن الذي شق فم الطفل هو الذي تكفل برزقه، وأن الذي يرزقنا حين كان الجنيه قوياً هو نفسه الذي سيرزقنا والجنيه ضعيفاً.

نعم هناك حربٌ اقتصاديةٌ شعواء تشن على هذا الشعب المكلوم، وهناك أيادٍ خبيثةٌ تلعب بسعر الصرف لتكسر إرادة الناس، وهناك تجارٌ لا ضمير لهم يحتكرون القمح والدواء والوقود ليبيعوه بثمنٍ مضاعفٍ، وهؤلاء يجب أن يضربوا بيدٍ من حديدٍ وبقانون طوارئ لا يرحم، ولكن حتى ونحن نحاربهم يجب أن لا ننسى أن قلوبنا تحتاج إلى زادٍ آخر هو اليقين.

أخفضوها بالاستغفار ليست جملةً عابرةً، بل هي منهج حياةٍ، فالذنوب هي التي تغلق أبواب الرزق، والاستغفار هو الذي يفتحها، وما نزل بلاءٌ إلا بذنبٍ وما رفع إلا بتوبةٍ، فكيف نريد أن تنخفض الأسعار وقلوبنا بعيدةٌ عن الله نتحين الفرص لكي نصطاد في الماء العكر ننهش أجساد بعضنا وننهب اموال بعضنا بحجة الغنيمة وبعد ذلك نريد أن نعيش في امان وسلام .

يا من أرهقه سعر الصرف وأتعبه غلاء المعيشة تذكر أن رزقك مكتوبٌ قبل أن يخلق الدولار وقبل أن يخلق تاجر الدولار، تذكر أن الذي يرزقك في الرخص هو الذي يرزقك في الغلاء، فعلق قلبك بالرازق لا بالرزق وبالخالق لا بالمخلوق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى