
أصبحت إشانة السمعة وقبيح القول سمة متفشية في وسائل التواصل الاجتماعي وبين الناس في المجتمع. تحولت المنصات من فضاء للتواصل إلى حلبة لتصفية الحسابات وطعن الأعراض. الغيبة والنميمة صارت عناوين المجتمع المعوج الذي لا يعرف حدود الأخلاق ولا قبح اللفظ، وسيرة الناس تُتداول “عمال على بطال” بلا رادع ولا وازع.
إن المجتمع اليوم يعاني من تشوهات عميقة هي من إفرازات الحرب وتفشي البطالة والفراغ. وسط هذا الخراب استغلت بعض الأقلام المأجورة والحسابات الوهمية سمعة الناس كسلاح رخيص في معركة الخصومة السياسية. أمور طغت وعمّت حتى بات تشويه سمعة الخصم أسرع من تقديم الحجة، والافتراء أقرب من النقاش.
وهذه الظاهرة لم تعد كلام مجالس فقط، بل انتقلت إلى الفضاء الإلكتروني بأقبح صورها. صار الاختراق سلاحاً لسرقة الحسابات ونشر الفضائح المفبركة. وصار الابتزاز الإلكتروني وسيلة لتركيع الشرفاء. وفبركة الصور والفيديوهات بالذكاء الاصطناعي أداة لتدمير سمعة أبرياء في لحظات. كما انتشرت حملات التضليل المنظمة والشائعات المقصودة لضرب رموز المجتمع وتشكيك الناس في بعضهم. كل ذلك يتم عبر حسابات مجهولة يسير أصحابها بين الناس بالإفساد.
وكان آخر ما أوجع الناس ما حدث مع *الشيخ الزين* رجل القرآن ومحبوب أهل السودان. رجل عرفه الناس بالعفة والورع، فناله من الأذى في سمعته ما ناله من أشخاص محسوبين على هذا المجتمع. هذا الاستهداف ليس إلا دليلاً على أن إشانة السمعة لم تعد تستثني أحداً، وأن الخطر يهدد كل بيت.
إن المجتمع الذي لا يحمي أعراضه ينهار من الداخل، والرادع الوحيد هو القانون. والقانون السوداني لم يترك هذه الجرائم دون عقاب. فـ *المادة 159 من القانون الجنائي لسنة 1991* واضحة في تجريم كل من يشين سمعة شخص بنشر أو إذاعة ما من شأنه المساس بسمعته، وعقوبتها السجن سنتين أو الغرامة أو بهما معاً. كما أن *المادة 160* تتصدى لمن يوجه إساءة لفظية أو كتابية تمس كرامة شخص بالسجن ستة أشهر أو الغرامة.
ومع انتشار الجرائم الإلكترونية جاء *قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007* ليضع حداً لهذا العبث. فنصت *المادة 24* على معاقبة كل من استخدم الشبكة لنشر مواد تمس الشرف والآداب العامة بالسجن سنتين والغرامة. وذهبت *المادة 25* لأبعد من ذلك فجرمت نشر الأخبار الكاذبة التي من شأنها تكدير الأمن العام بالسجن 5 سنوات، لأن الشائعة في زمن الحرب سلاح. أما *المادة 26* فقد شددت العقوبة إذا تمت إشانة السمعة عبر الشبكة، لعلم المشرع بأن الضرر عبر الإنترنت أوسع وأسرع وأبقى أثراً.
إن تفعيل هذه النصوص وتشديد الرقابة أمران مهمان جداً حتى نتجنب الضرر البليغ الذي يصيب المستهدفين ويصيب المجتمع كله. الحرب التي نخوضها اليوم ليست بالرصاص فقط، بل هي حرب أخلاق. فإن لم نحارب هذه الظاهرة جميعاً ونقضي عليها بيد القانون وبيد المجتمع، فسنخسر ما تبقى من نسيجنا الاجتماعي.


