في مشهد يعكس تقلبات السياسة وتبدل المصائر، ظهر إبراهيم بقال، القيادي السابق في مليشيا الدعم السريع، يتجول في شوارع مدينة أبشي التشادية، بعد أن كان يتحدى الجيش السوداني من داخل القصر الجمهوري في الخرطوم. الرجل الذي حمل رتبة فريق خلا وكان يتبجح ويقدل في العاصمة السودانية خلال فترة من الفوضى، بات اليوم مشرداً، بلا مأوى، بلا سلطة، وبلا حاضنة سياسية، يتنقل بين الازقة والشوارع في حالة يرثى لها متسؤلاً يريد بيع هاتفه ، كما وثّقت مقاطع الفيديو المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.
التحول الدراماتيكي في حياة بقال لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة مسار طويل من التورط وظلم العباد، هذه نتائج تحالفات هشة، وانخراط في مشروع عسكري واجه رفضاً شعبياً واسعاً. ومع انهيار مليشيا الدعم السريع في عدةمناطق وتحرير الخرطوم من قبضتها، وجد بقال نفسه وحيداً، مطارداً، يفرّ بجلده من جحيم رفاق الأمس الذين انقلبوا عليه.
الصور القادمة من تشاد لم تكن مجرد توثيق لحالة إنسانية، بل كانت مرآة تعكس نهاية رجل ظن أن السلطة تدوم، وأن القصر حصن لا يُخترق. لكنها السنن الكونية، “يمهل ولا يهمل”، وها هو الظالم يذوق مرارة الهروب، بعد أن كان يوزع الأوامر من قلب الخرطوم.
الشارع السوداني، الذي تابع تلك المشاهد بسخرية مرة، لم ينسَ ما فعله بقال حين كان والياً على الخرطوم باسم المليشيا. ولم ينسَ كيف تحولت العاصمة إلى ساحة حرب، وكيف شُرّد أهلها، وقُطعت أوصالها، تحت سلطة من لا يملك شرعية ولا رحمة. واليوم، حين يظهر بقال في أبشي، يتسول الأمن والنجاة، فإن ذلك لا يُقرأ إلا كخاتمة طبيعية لمسار بدأ بالدم وانتهى بالخذلان.
في النهاية، لا شيء يدوم في السياسة، ولا أحد ينجو من حساب التاريخ. وإبراهيم بقال، الذي كان يوماً رمزاً للتمرد، أصبح اليوم عظماً يكسوه جلداً وشاهداً حياً على أن الظلم لا يصنع مجداً، وأن الخرطوم، مهما تألمت، لا تنسى من أوجعها. إنها النهاية المأساوية.


