
لا تقوم الدول على كثرة الجيوش، ولا على وفرة المال، ولا على صخب الشعارات، وإنما تقوم أولاً على العدل، فإذا غاب العدل اهتزت أركان الدولة، وإذا حضرت التقوى في ضمير الحاكم والمسؤول استقامت الموازين، واستقرت المجتمعات، وأصبح القانون سيداً على الجميع لا تابعاً لأهواء الأشخاص.
لقد شغلت قضية الحكم أذهان الفلاسفة والمفكرين منذ فجر التاريخ، فتحدث أفلاطون عن الجمهورية الفاضلة، ورسم الفارابي صورة المدينة الفاضلة، ثم جاء الإسلام ليضع القاعدة الكبرى التي لا تزال صالحة لكل زمان ومكان، وهي أن صلاح الحاكم من صلاح الأمة، وفساده من فسادها.
ومن أبلغ ما وصل إلينا في هذا الباب عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى مالك الأشتر، ذلك العهد الذي لم يكن مجرد رسالة إلى والٍ، وإنما دستور أخلاقي وسياسي وإداري يبين كيف تُدار الدول، وكيف تُصان الحقوق، وكيف تُحفظ كرامة الإنسان.
إن أول ما بدأ به الإمام علي عهده هو تقوى الله، وكأن الرسالة واضحة: لا يمكن أن يكون هناك حكم عادل إذا لم يكن هناك ضمير حي يخشى الله قبل أن يخشى الناس. فالقوانين مهما بلغت دقتها، والدساتير مهما كانت محكمة، تبقى عاجزة إذا فقد المسؤول رقيب الضمير.
ولعل السودان اليوم أحوج ما يكون إلى هذا المعنى العظيم. فمرحلة ما بعد الحرب لا تحتاج إلى إعادة إعمار الطرق والجسور وحدها، بل تحتاج قبل ذلك إلى إعادة إعمار منظومة القيم، وإحياء مفهوم المسؤولية، وترسيخ مبدأ أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن السلطة أمانة وليست غنيمة.
إن الدولة القوية ليست تلك التي يخاف منها المواطن، وإنما التي يشعر فيها المواطن بالأمان والعدل والمساواة. والدولة الراسخة هي التي لا يضيع فيها حق الضعيف أمام نفوذ القوي، ولا يُقدَّم فيها الولاء على الكفاءة، ولا تُوزع فيها الفرص على أساس القرب والبعد، وإنما على أساس الاستحقاق.
إن التقوى التي تحدث عنها القرآن ليست مظهراً دينياً فحسب، وإنما سلوك عملي ينعكس في القرار السياسي، وفي النزاهة المالية، وفي احترام القانون، وفي حفظ المال العام، وفي إنصاف الناس دون تمييز.
ومن هنا فإن المسؤول الذي يخشى الله لا يظلم موظفاً، ولا يحرم مواطناً من حقه، ولا يستغل منصبه لمصلحة شخصية، ولا يسمح للفساد أن يتحول إلى ثقافة داخل مؤسسات الدولة.
إن السودان وهو يخطو نحو مرحلة جديدة يحتاج إلى رجال دولة قبل أن يحتاج إلى رجال سلطة؛ رجال يحملون هم الوطن، ويقدمون المصلحة العامة على المصالح الخاصة، ويؤمنون بأن التاريخ لا يخلد أصحاب المناصب، وإنما يخلد أصحاب المواقف.
وليس المطلوب أن يكون الحاكم معصوماً من الخطأ، فذلك ليس من طبيعة البشر، وإنما المطلوب أن يكون عادلاً إذا حكم، وأميناً إذا اؤتمن، وشجاعاً إذا واجه الفساد، ومتجرداً إذا تعارضت المصلحة الشخصية مع مصلحة الوطن.
إن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي دولة هو الاستثمار في العدالة، لأن العدالة هي التي تصنع الاستقرار، وتجذب التنمية، وتوحد الشعوب، وتحفظ هيبة الدولة.
أما إذا غابت التقوى، وحلت محلها الأهواء، وغابت الكفاءة، وحلت محلها المحسوبية، فإن الأوطان تدفع الثمن مهما بلغت إمكاناتها.
ختاماً…
إن بناء السودان الجديد لن يتحقق بالشعارات وحدها، ولا بالخطابات الرنانة، وإنما يتحقق عندما تصبح التقوى ضميراً للمسؤول، والعدل منهجاً للحاكم، والقانون ميزاناً للجميع، والوطن فوق الأشخاص والأحزاب والمصالح الضيقة.
فالتاريخ لا يذكر من حكموا طويلاً، وإنما يذكر من عدلوا، ولا يخلد من امتلكوا السلطة، وإنما يخلد من أقاموا الحق.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.



