مقالات

كابتن طيار عادل المفتي يكتب : مقال في صيغة سؤال ؟

 

مرةً قال لي صديق: “أنتم أصبحتم مثل رمضان.”
ابتسمت وسألته: “كيف؟”
قال: “إذا افترضنا أن متوسط العمر سبعون عامًا، وقد بلغتم الستين، فما بقي لكم هو عشر سنوات فقط؛ إنها العشر الأواخر من العمر، وفيها ينبغي أن يكثر الإنسان من مراجعة نفسه، وطلب المغفرة، والتقرب إلى الله، كما يفعل المسلم في العشر الأواخر من رمضان.”

ضحكت .. وتفكرت.. ولكن ظلَّت كلماته عالقة في ذهني، لا لأنها تتحدث عن العمر فحسب، بل لأنها تصلح أيضًا لوصف حال العالم اليوم. فمع تصاعد المواجهة الأمريكية الإيرانية، واسرائيل من خلف ستار ، تحاول جادة في خلط الأمور ، ودفع المنطقة والإقليم الي حرب يخسر فيها الجميع وتزيد من الفتن وبؤر التوتر، وكأن البشرية تقف على أعتاب مرحلة فاصلة؛ مرحلة لا تحتمل كثيرًا من الأخطاء، ولا تسمح بمزيد من المغامرات.

فهل يعيش العالم بالفعل العشره الأواخر؟
وهل ما نشهده مجرد جولة أخرى من الصراع، أم أننا أمام لحظة تاريخية قد تعيد رسم خرائط السياسة والقوة في الشرق الأوسط والعالم؟ هذه هي الأسئلة التي يحاول هذا المقال أن يقترب من الإجابة عنها، بعنوان مقال في صيغة سؤال ؟
عندها أيضا تذكرت سؤال ورد عجوز نيسابور ..
في نهار يوم ما .. خرج فخر الدين الرازي في موكب عظيم بعد أن ألّف كتابًا في إثبات وجود الله والرد على الملاحدة، وقيل إنه ذكر فيه مائة دليل، وقيل ألف دليل. فاجتمع الناس حوله إعجابًا بعلمه.
فمر الموكب على امرأة عجوز، فقالت: ما هذا؟

فقالوا: هذا الإمام الرازي، ألّف كتابًا أقام فيه مائة (أو ألف) دليل على وجود الله.
فقالت:
“لو لم يكن هنالك مائة سؤال .. لما احتاج إلى مائة دليل.”
فلما بلغ ذلك الإمام الرازي، قال:
“اللهم ارزقني إيمانًا كإيمان العجائز.”
وفي العشر الأواخر .. ومتابعة ما يجري حولي والعالم .. يوجد في قلبي مائة شك وسؤال لهذه الحرب الدائرة الان .. فهل من يدلني علي مائة دليل ؟
ما تاخدو في بالكم دي أسئلة بس وده أولهم :

من قال لكم إن إيران لا تمتلك السلاح النووي؟

ومن يملك الدليل القاطع على أنها لم تتجاوز تلك المرحلة منذ سنوات؟

وهل كل ما يُقال عن القدرات العسكرية للدول هو الحقيقة… أم أن ما لا يُقال هو الذي يصنع موازين القوى؟

إذا كانت إيران لا تمتلك قوة ردع استثنائية، فمن أين جاءت هذه الجرأة على مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وامتصاص الضربات، ثم العودة إلى التفاوض من موقع الند؟

هل هي الصواريخ؟

أم النفوذ الإقليمي؟

أم الجغرافيا ومضيق هرمز ؟

أم دعم روسيا والصين من خلف ستار ؟

أم أن العالم لا يرى إلا الجزء الظاهر من المشهد؟

قد لا نعرف الإجابة… لكن هل صُنّاع القرار يعرفون ؟ أم العلم عند الله ؟

لكن دعونا نطرح السؤال الذي قد يكون أخطر من الملف النووي نفسه…

هل كانت هذه الحرب اختبارًا لإيران… أم اختبارًا للهيمنة الأمريكية؟

وهل خرجت واشنطن منها أكثر ردعًا… أم أكثر انكشافًا؟

وهل كانت الصين هي الرابح الأكبر، لأنها راقبت كل صاروخ، وكل منظومة دفاع، وكل قرار سياسي، ثم دعمت وساندت وزودت وراقبت واكتشفت وطورت واستعدت .. ثم عادت لتكتب ملاحظاتها بهدوء؟

وهل بدأت عواصم العالم تراجع حساباتها بعيدًا عن الضجيج الإعلامي؟

وهل بدأت دول كانت تخشى الاقتراب من الخطوط الحمراء تكتشف أن تلك الخطوط ليست صلبة كما كانت تُصوَّر؟
وهل اكبر دليل الان عندما بدات بعض دول أوروبا في رفع عصا الطاعة ؟

وفي السودان نقول:

“ما دام السيف في غمده فالأمور تحت السيطرة… فإذا خرج تغيّرت الموازين.”

فهل كان إخراج السيف من جرابه من قبل الأمريكان هو الخطأ الأكبر؟

وهل أدرك الجميع أن بعض المعارك تبدأ بقرار… لكنها لا تنتهي بقرار؟

ثم يبقى السؤال الذي يهمنا نحن أكثر من عجوز نيسابور :

إذا كان العالم يعيد ترتيب موازين القوة، فأين يقف السودان؟

والي اين يتجه السودان كدولة هل ستكون دولة عسكرية ام مدنية ام خاطف لونين ؟

هل يستثمر السودان هذه الانتصارات الأخيرة والتحولات العالمية ليصنع قراره الوطني بإرادته الحرة قبل ان يستفيق العالم ؟

أم يبقى ينتظر حتى يقرر الآخرون متى تبدأ الحروب… ومتى تنتهي… ومن ينتصر فيها… ومن يدفع ثمنها؟

وربما يكون السؤال الذي سيكتبه المؤرخون بعد سنوات:

هل كانت هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية… أم أنها كانت الشرارة التي أعلنت بداية نهاية مرحلة، وبداية نظام دولي جديد؟

فالإمبراطوريات لا تسقط يوم تهزم عسكريًا…

بل يوم يبدأ العالم في الشك في قدرتها على فرض إرادتها.

ولا تنتهي الهيمنة عندما تضعف القوة…

بل عندما يزول الخوف منها.

ويبقى السؤال الذي سيجيب عنه التاريخ، لا السياسيون، ولا المحللون، ولا وسائل الإعلام:

هل كان ما رأيناه بداية تحول في موازين العالم… أم أن المشهد الحقيقي لم يبدأ بعد؟

أم نحن في العشر الأواخر فعلا ؟

سألني احدهم من عجائز السودان وقال :

ماهي المشتركات بين ترامب وحميدتي ومسيلمة ؟

ثم ردد وقال لي أساعدك .. ممكن تستعين بصديق ؟ قلت له لا ده سؤال كبير .. دعني اسأل الجمهور ؟ ولكني اعرف ماذا طلب مسيلمة من الرسول وما رد رسول الله ؛
أرسل مسيلمة رسالة إلى النبي ﷺ يقول فيها إنه شريك له في الأمر، فرد عليه النبي بقوله:
“من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.”
ومنذ ذلك الحين اشتهر بلقب “مسيلمة الكذاب”

اذن ماهي المشتركات ..
بين
رئيس العالم المجنون ترامب ،
وأمير السودان المزعوم حميدتي ،
والنبي الموهوم مسيلمة ؟

وده كلو مقال في صيغة سؤال ؟

قال تعالي :
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾

صدق الله العظيم ..

كابتن طيار عادل المفتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى