
في خضم الحرب الوجودية التي فُرضت على السودان، تتكشف أمام أعين السودانيين مشاهد متكررة حتى باتت أشبه بمسرحية محفوظة السيناريو، حيث لا تستيقظ المؤسسات الدولية على صوت الإنسانية إلا عندما تصبح المليشيا المتمردة على حافة الهزيمة، وكأن حقوق الإنسان لا تُستدعى إلا لإنقاذ المهزوم، لا لإنصاف الضحايا الذين دفعوا دماءهم ثمناً للحرية والاستقرار.
لقد شهد السودان مدن تُحرق، وقرى تُباد، ونساء يُغتصبن، ومواطنين يُهجَّرون، بينما أصيبت تلك المؤسسات بحالة من الصمم والعمى وفقدان الذاكرة، فلم نسمع منها صوتاً يوازي حجم المأساة، ولم نرَ تحركاً جاداً في الجنينة أو الفاشر أو الخرطوم أو الجزيرة اوكردفان ، حيث ارتكبت المليشيا جرائم يندر لها مثيل في التاريخ، بلغت حد التطهير العرقي والإبادة الجماعية، ومع ذلك لم تُصنف إرهابية، ولم تُدان بما يليق بحجم جرائمها.
وما أن تقدمت القوات المسلحة في كردفان، وأصبحت على مشارف فتح الطريق نحو دارفور، حتى ارتفعت فجأة أصوات النحيب، واشتد العويل، وعادت المطالبات بالهدنة والممرات الإنسانية، مصحوبة بسيل من الشائعات عن كوارث وشيكة في الأبيض، وكأن الإنسانية لا تستيقظ إلا عندما تصبح المليشيا قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة، وكأن دموع التماسيح هي وحدها التي تحدد توقيت الضجيج الحقوقي.
المفارقة الأكثر سخرية أن الأمم المتحدة، التي غابت عن مذابح غزة ولم يوازي صوتها حجم المجازر هناك، هي نفسها التي ترفع اليوم راية الإنسانية في السودان، بينما عجزت عن إيصال الإغاثة إلى الفاشر المحاصرة، واستطاعت في الوقت ذاته أن تقدم الدعم اللوجستي في مناطق أبعد بمئات الأميال. يبدو أن سيارات الإغاثة تمتلك بوصلة خاصة، تعرف جيداً الطريق إلى حيث تريد القوى الكبرى، وتضل طريقها كلما كان المقصد إنقاذ السودانيين.
إن هذه المؤسسات تؤدي وظيفتها كما يراها كثيرون، بوصفها أدوات للهيمنة الدولية وإدارة مصالح القوى الكبرى، لكن ما يثير الدهشة حقاً هو ما تبذله الحكومة السودانية من وقت وجهد ومال في ملاحقة رضا تلك المؤسسات، بينما الأولى أن يُوجَّه ذلك كله إلى الميدان، وإلى تقوية الجبهة الداخلية وتحصينها، فالمعركة اليوم ليست معركة حدود أو نفوذ، بل معركة وجوداً.
لقد تجاوز الشعب السوداني مرحلة الانخداع بهذه المسرحيات، وأصبح يدرك أن الضجيج الإنساني يعلو كلما ضاقت الخيارات أمام المليشيا، وأن الهدنة التي تُطلب لإنقاذ المهزوم ليست مبادرة إنسانية، وإنما استراحة محارب تمنح لطرف واحد، بينما دماء السودانيين تُسفك منذ سنوات دون أن تحرك ساكناً في ضمير تلك المؤسسات.
وليعلم أصحاب المشروع الاستعماري ومن يدور في فلكهم أن السودانيين لو كانوا يقبلون بهذه الدعوات والترهات، لقبلوا بها يوم كانت المليشيا تسيطر على معظم دارفور وأجزاء واسعة من كردفان والخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض، وسنجة ووتقترب من الدمازين والقضارف، وشندي .
أما اليوم، وقد أصبحت القوات المسلحة تتقدم غرباً نحو دارفور، فما الذي يجعل القوات المسلحة يوقف تقدمه ويمنح خصمه فرصة جديدة لالتقاط أنفاسه؟ إنما هذه هدنة على مقاس الهزيمة، ودموع التماسيح لا توقف زحف الجيش نحو هدفه، ولا تصنع سلاماً، ولا تحفظ دولة، ولا تعيد استقراراً.
إن السودانيين تعلموا من هذه الحرب أن يميزوا بين الإغاثة الحقيقية والإغاثة التي تصل دائماً متأخرة، إلا عندما تكون المليشيا هي المحتاجة إليها. ولذلك فإن معركة إنهاء التمرد تمثل شرطاً أساسياً لاستعادة الدولة واستقرارها، وهي معركة لا تقبل أنصاف الحلول، ولا تُدار بدموع التماسيح، بل تُحسم بإرادة شعب قرر أن يعيش حراً أو يموت واقفاً.هذه هي قوة السودان، قوة الأسد الذي لا يهاب، قوة الشعب الذي لا ينكسر، قوة الإرادة التي لا تُهزم، قوة الحقيقة التي لا تُطمس، قوة الحرية التي لا تُشترى، وقوة الأرض التي لا تُباع.



