
النقاش الذي دار مؤخراً داخل مجلس الوزراء بين وزير المالية د. جبريل إبراهيم ورئيس الوزراء د. كامل إدريس حول ملف تخفيض العاملين بالدولة، كما أوردته صحيفة الشعب، يلخص حالة الارتباك التي تعيشها مؤسسات الدولة في هذه المرحلة.
ففي الوقت الذي خرج فيه السيد رئيس الوزراء لينفي نية الحكومة الاستغناء عن العاملين، كانت لجنة وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ترفع تقريرها إليه حول ترشيد الهيكل الوظيفي وإعادة تقييم الحاجة الفعلية للموظفين. وهو نفسه الذي أصدر ثم تراجع عن قرارين بتعيين وكيل لوزارة الشباب والرياضة وآخر لوزارة الخارجية. وهو نفسه أيضاً من أصدر قراراً بإعفاء تجار أسواق الخرطوم من الزكاة، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام. فأين الاتساق في القرار؟ وأي رسالة يتلقاها المواطن من هذا التضارب؟
المشاهد الأخرى لا تقل سوءاً. فقد أشار تقرير الصحيفة إلى غياب الموظفين عن مواقع العمل، مع تبرير من وزارة المالية بأن مقار الدولة تعرضت للتدمير بفعل الحرب. وفي المقابل صدر قرار بنقل عدد من الموظفين من العاصمة الإدارية المؤقتة مدينة بورتسودان دون دراسة كافية للآثار، وكأن هذه المدينة التي احتضنت كل مؤسسات الدولة واستقبلت أهل السودان في أحلك الظروف، لا تستحق أن تُعامل كعاصمة قائمة بواجباتها حتى إشعار آخر.
إن غياب المراكز الاستراتيجية للتخطيط، وضعف الاستعانة بمستشارين ذوي خبرة في الشأن الإداري والتنفيذي، وغياب رؤية شاملة لإدارة أجهزة ومؤسسات الدولة في هذه الفترة الحرجة، قد أدى إلى اختلال واضح في الأداء. لا توجد خطوط واضحة وثابتة للإدارة، والقرارات تصدر ثم تُلغى أو تُعدل، ما يخلق حالة من عدم اليقين داخل الخدمة المدنية وخارجها.
والأخطر أن التشكيل الوزاري الحالي لم ينجح حتى الآن في إقناع الشارع أو في تقديم نموذج يلبي حجم التحديات. فالدولة لا تُدار بردود الأفعال ولا بالقرارات المرتجلة، بل تحتاج إلى رؤية واضحة، وإلى احترام لتضحيات المدن التي حملت عبء الوطن، وإلى إدارة مسؤولة تعيد هيبة المؤسسات وتضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
السؤال الذي يطرح نفسه: إلى متى تستمر “الشربكة”؟



