
تلقيت دعوة من شركة تسمى “العسجد” لحضور حفل تدشين رخصة المحول المالي التي منحها بنك السودان المركزي للشركة، باعتبارها أول شركة خاصة في البلاد تحصل على هذه الرخصة الحساسة.
منذ الصباح الباكر بدأت قاعة فندق مارينا بمدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية والاقتصادية لجمهورية السودان، تستعد لاستقبال حدث كبير. زينت القاعة باللافتات والشعارات، وكُتب اسم الفريق ركن مهندس بحري إبراهيم جابر عضو مجلس السيادة في لوحة الشرف الرئيسية. وما هي إلا دقائق حتى توافد الحضور. وصل سعادة الفريق ركن محجوب بشري قائد منطقة البحر الأحمر العسكرية، وحضر عدد من قيادات البنوك التجارية، وممثل لاتحاد المصارف، ومسؤولون من بنك السودان المركزي، إلى جانب حشد من الزملاء الإعلاميين والصحفيين.
لكن المشهد البروتوكولي لم يكن هو ما يشغلني. كان السؤال الذي يلح على الذهن: كيف تمضي مثل هذه الرخصة في هذا التوقيت بالذات؟ في ظل الاستهداف الكبير الذي تتعرض له البلاد، وفي ظل المرارات التي تجرعناها من الحرب اللعينة التي أشعلها حميدتي وأعوانه بقصد الإضرار باقتصادنا وبنيتنا التحتية.
والأمر هنا ليس تشكيكاً بلا سند. فقد سبقني إلى كشف التفاصيل زميلنا المتميز عزمي عبد الرزاق، الذي تتبع خيوط اللعبة وكشف أبعاد “الخدعة الكبيرة” التي انطلت على البنك المركزي. ففي سابقة غريبة، مُنحت الرخصة للشركة في احتفال رسمي مهيب، ثم عاد البنك المركزي نفسه وألغى الترخيص بعد أسبوع واحد فقط. أسبوع واحد كافٍ ليتحول التدشين إلى علامة استفهام، ويضع الحكومة أمام تناقض صارخ أثار الرأي العام، وما زال النقاش محتدماً حول ملابساته وأسبابه حتى اللحظة.
في الحفل كان الحديث كله عن المستقبل. كلام جميل عن التطوير التقني، وعن انطلاق البلاد نحو أهداف التطور الشامل، وعن إطلاق الحزم التقنية وتحديث آليات الدفع الإلكتروني. لكن خلف هذا الخطاب كانت هناك أسئلة معلقة في أذهان الحضور من أهل الصحافة والمال. ما هي قدرة الشركة الفعلية على إدارة محول مالي قومي؟ ما هي حدود إمكانياتها الفنية؟ من يقف خلفها؟ ما هي ارتباطاتها الخارجية؟ ومن أين يأتي التمويل؟
هذه الأسئلة لم تكن ترفاً إعلامياً. فالحديث عن محول مالي يعني الحديث عن أمن قومي، وعن بيانات المواطنين، وعن حركة الأموال في بلد أنهكته الحرب ويسعى للتعافي.
واليوم، وبعد قرار الإلغاء، تجلت الحقيقة. بان المستخبي وظهر ما كان خفياً. صارت هناك علامات استفهام كثيرة حول شركة “العسجد” وعن كيفية مرورها بكل هذه البوابات.
إن الشعب السوداني الذي تعرض للتشريد والسرقة وتدمير مؤسساته، لا يحتمل مزيداً من التجارب ولا مجال لديه لتكرار أخطاء الماضي. أي ملف اقتصادي أو تقني يمس حياة الناس يجب أن يخضع لأعلى درجات الشفافية والتدقيق، بعيداً عن المجاملات والتسرع.
القضية الآن لم تعد قضية شركة ألغيت رخصتها، بل قضية ثقة. ثقة المواطن في مؤسساته، وثقة المستثمر في قرارات الدولة. وآن الأوان أن يخرج بنك السودان المركزي بتوضيح كامل للرأي العام حول ما جرى، حتى لا تتحول “خدعة العسجد” إلى سابقة تفتح الباب أمام عبث أكبر بمقدرات البلاد.



