مقالات

كابتن طيار عادل المفتي يكتب : هل يضيع السودان بين “الكوز” و”القحاطي”؟

 

بين قصف المدافع، والمسيرات الغادرة التي تقصف مدينة الأبيض بدون تفريق لما هو مدني وما هو عسكري وصراخ الأطفال، وملايين النازحين الذين تركوا بيوتهم قسرًا، يقف السودان اليوم أمام أخطر منعطف في تاريخه الحديث. فهذه الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي عمليه احتلالية واحلالية مصروف عليها ، تم إفشالها وجاري تطهيرها وهي إختبار حقيقي لقدرة الدولة على البقاء، ولقدرة السودانيين على تجاوز خلافاتهم عندما يصبح الوطن نفسه على المحك.

وفي مثل هذه اللحظات، تسقط الشعارات، وتبقى حقيقة واحدة: لا وطن بلا دولة، ولا دولة بلا مؤسسات تحفظ سيادتها وأمنها ووحدة أراضيها.

لكن، وبينما تخوض القوات المسلحة السودانية معركة الدفاع عن الدولة واستعادة سيادتها على كامل التراب الوطني، لا يزال جزء من الخطاب السياسي أسيرًا لمعارك الماضي، وكأن السودان لم يتغير، وكأن الحرب لم تفرض أولويات جديدة.

وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل سوداني:

هل يضيع السودان بين “الكوز” و”القحاطي”؟

لقد استنزفت هذه التصنيفات الحياة السياسية سنوات طويلة، حتى أصبحت عند البعض بديلًا عن التفكير، ووسيلةً سهلة لإدانة الأشخاص بدلًا من مناقشة الأفكار. فمن يختلف معك أصبح “كوزًا”، ومن يخالفك في الاتجاه الآخر أصبح “قحاطيًا”، وكأن الوطن لا يتسع إلا لفريق واحد.

ولو تأملنا التجربة السودانية بإنصاف، لوجدنا أن كل مرحلة حملت نجاحات وإخفاقات، وأن أحدًا لا يحتكر الحقيقة كاملة. فقد شهدت سنوات حكم الإنقاذ بعض الإنجازات، لكنها شهدت كذلك أخطاءً جسيمة، من سياسات التمكين، وقانون الصالح العام، وإضعاف مؤسسات الدولة، وتراجع الخدمة المدنية، واتساع الفساد، وهي أخطاء ساهمت في تعميق الأزمة الوطنية حتى جاءت ثورة ديسمبر، التي رفعت شعارات الحرية والسلام والعدالة، معبرةً عن تطلع السودانيين إلى بناء دولة حديثة.

غير أن المرحلة التي أعقبت الثورة لم تنجح في بناء التوافق الوطني المنشود، بل اتسعت دائرة الخلافات، وتصاعد خطاب التخوين والإقصاء، سواء بين المكونين المدني والعسكري، أو داخل القوى المدنية نفسها. وتحولت الخلافات السياسية إلى معارك وجود، وأصبح الحوار يتراجع أمام الاتهامات.

وفي خضم تلك المرحلة، انقسمت الآراء حول لجان إزالة التمكين؛ فهناك من رأى فيها وسيلةً لاسترداد الدولة، بينما رأى آخرون أنها انحرفت عن أهدافها وتحولت، في بعض الممارسات، إلى أداة للإقصاء السياسي، وهو ما حذر منه الإمام الصادق المهدي، رحمه الله، داعيًا إلى تغليب العدالة وسيادة القانون على روح الانتقام. واليوم، تبدو المراجعة الصادقة لتلك التجربة ضرورة وطنية، لأن الأمم التي لا تعترف بأخطائها تكررها.

ثم جاءت الحرب، فبددت ما تبقى من أوهام السياسة.

فعندما تتعرض الدولة لخطر وجودي، يصبح الحفاظ على مؤسساتها الوطنية واجبًا لا يحتمل المزايدة. ومن هذا المنطلق، نري وكثير من السودانيين أن القوات المسلحة السودانية تؤدي مسؤولية وطنية في الدفاع عن سيادة البلاد ووحدة أراضيها، وأن دعمها في هذه المهمة هو دعم للدولة نفسها، لا مجرد انحياز لطرف سياسي.

وفي المقابل، فإن الشعب السوداني هو أكبر ضحايا هذه الحرب. فقد تعرض المدنيون لانتهاكات واسعة، من قتل وتهجير ونهب وترويع، وأصاب الدمار البنية التحتية ومقدرات الوطن، وهي جرائم تستوجب المساءلة والمحاسبة وفق القانون، حتى يتحقق العدل، ويترسخ السلام على أسس راسخة.

لكن، مهما كانت نتائج الحرب، فإن الانتصار العسكري وحده لن يكون كافيًا إذا لم يعقبه انتصار سياسي وأخلاقي يعيد بناء الدولة على أسس العدالة، وسيادة القانون، والمواطنة المتساوية.

فالسودان لا يحتاج إلى غالبٍ ومغلوب، بقدر ما يحتاج إلى دولة قوية، وجيش وطني قوي ، ومؤسسات مستقلة، وقضاء عادل، وإدارة كفؤة، وأحزاب سياسية تتنافس بالبرامج لا بالشتائم، وبالرؤى لا بالتخوين.

ولهذا فإن الطريق إلى المستقبل يبدأ بحوار سوداني–سوداني خالص، يُعقد داخل السودان، بعيدًا عن أي وصاية خارجية، ويجمع كل القوى الوطنية التي تؤمن بوحدة البلاد وسيادة الدولة، مع استبعاد كل من تثبت مسؤوليته الجنائية عن جرائم بحق الشعب أو الدولة، ليقول القضاء كلمته بعيدًا عن الانتقام أو التسييس.

ويجب أن يفضي هذا الحوار إلى مؤتمر دستوري يؤسس لجمهورية جديدة، تقوم على المواطنة، والعدالة، والتوازن بين السلطات، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، حتى لا تتكرر مآسي الماضي.

كما أن إصلاح الأحزاب لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية. فقد أثبتت التجارب أن الأحزاب التي لا تمارس الديمقراطية داخلها لن تستطيع أن تبني ديمقراطية في الدولة. قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

أما أنا، فلم أكتب يومًا بحثًا عن رضا هذا الفريق أو ذاك. وكما كثير من السودانيين، تعرضت للتصنيف؛ فإن انتقدت طرفًا أصبحت “قحاطيًا”، وإن انتقدت الطرف الآخر أصبحت “كوزًا”.

لكنني مؤمن بأن الكاتب إذا أصبح أسيرًا لرضا الناس فقد حريته، وإذا خاف من الألقاب فقد رسالته.

ولا تقلقني هذه التصنيفات، وإنما يقلقني أن يأتي يوم يسأل فيه أبناؤنا: لماذا ضاع السودان؟ فنجيبهم بأننا كنا منشغلين بتبادل الاتهامات، بينما كان الوطن ينزف.

وبالبلدي كده…

السودانيون تعبوا من معركة “الكوز” و”القحاطي”. تعبوا من السياسيين والسياسة التي لا تبني مدرسة، ولا تعالج مريضًا، ولا توفر فرصة عمل، ولا تعيد نازحًا إلى منزله.

الناس تريد وطنًا آمنًا، واقتصادًا قويًا، ودولة تحترم مواطنيها، وجيشًا يحمي حدودها، وقانونًا يسري على الجميع دون تمييز.

واليوم، أنا و كثير من أبناء السودان نقف مع القوات المسلحة السودانية، باعتبارها المؤسسة الوطنية التي تتولى الدفاع عن الدولة، وصون سيادتها، والحفاظ على وحدة أراضيها في مواجهة التمرد. وفي الوقت نفسه، نقف إلى جانب الشعب السوداني الذي تحمل أهوال الحرب، ودفع من أمنه واستقراره ومعيشته ومستقبل أبنائه أثمانًا باهظة. فالدفاع عن الدولة، والانحياز إلى معاناة المواطنين، ليسا موقفين متعارضين، بل هما وجهان لواجب وطني واحد.

فالوفاء الحقيقي ليس لشعارٍ سياسي، ولا لتيارٍ حزبي، وإنما للوطن. والانحياز الحقيقي ليس للأشخاص، بل للدولة، ولسيادة القانون، ولمستقبل السودان.

فما يهم المواطن ليس من ينتصر سياسيًا، بل أن ينتصر السودان. فإذا استطاع الجميع أن يتفقوا على مشروع وطني يضع مصلحة البلاد فوق المصالح الحزبية، فهذا هو الأفضل.

وإن عجزوا عن ذلك، فربما آن الأوان ليفسح الجيل القديم المجال لقيادات شابة تحمل فكرًا جديدًا، ورؤية مختلفة وعقلية مختلفة وقلب سليم وتتنافس ببرامج تنموية لا بشعارات التخوين والإقصاء.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾

السودان يحتاج إلى صفحة جديدة، عنوانها العمل والإنتاج وبناء الدولة، لا إعادة تدوير الصراعات القديمة. فمن لا يستطيع أن يكون جزءًا من الحل، فليترك المجال لمن يستطيع . والوطن أكبر من الجميع .

وفي النهاية، عندما يكتب التاريخ هذه المرحلة، فلن يسأل: من كان كوزًا؟ ومن كان قحاطيًا؟ بل سيسأل: من وقف مع السودان عندما كان الوطن في أشد الحاجة إلى أبنائه؟

فالأوطان لا يحفظها المتخاصمون، وإنما يحفظها المخلصون.

قال تعالي :

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.

صدق الله العظيم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى