تقارير

مامون علي فرح يكتب : الدكتور صلاح الدعاك… حين حضرت قطر

منذ أن دوّت طبول الحرب في السودان، لم يكن الهلال الأحمر القطري مجرد اسم يتردد في نشرات الأخبار أو بيانات الإغاثة، بل كان حضورًا حيًا على الأرض، تتحرك قوافله حيث يشتد الاحتياج، ويقوده رجل آمن بأن العمل الإنساني لا ينتظر الظروف المثالية، بل يصنعها. كان ذلك الرجل هو الدكتور صلاح الدعاك.

IMG 20260628 WA0010
بوجهٍ إنساني لا يعرف التأجيل، وخطى ثابتة تنقلت بين الخرطوم وبورتسودان والولايات التي استقبلت مئات الآلاف من النازحين، لم يكتفِ الدكتور الدعاك بإدارة العمليات من المكاتب أو متابعة التقارير عبر الشاشات، وإنما اختار أن يكون حاضرًا في قلب المشهد، قريبًا من الناس، يشاركهم تفاصيل المعاناة ويشرف بنفسه على وصول العون إليهم.
سرعان ما تحول إلى أحد أبرز الوجوه الإنسانية التي ارتبط اسمها بعمليات الإغاثة في السودان، ليس لأنه سيّر القوافل أو وزع السلال الغذائية فحسب، بل لأنه جعل من الشراكة مع الهلال الأحمر السوداني، والمؤسسات الحكومية، والمجتمعات المحلية، واللجان الأهلية، أساسًا لكل عمل إنساني، مؤمنًا بأن الكرامة الإنسانية تبدأ حين تُحترم احتياجات الناس ويُشركون في صناعة الحلول.

IMG 20260615 WA0006
ويعرف المقربون من الدكتور الدعاك أن إدارة الأزمات بالنسبة إليه لا تكون من خلف المكاتب. فقد ظل حاضرًا في اجتماعات التنسيق، ومتابعًا لتحرك القوافل لحظة بلحظة، ومتواصلًا مع الفرق الميدانية في مختلف الولايات. هذا النهج أسهم في تقليص زمن الاستجابة، وساعد على إيصال المساعدات بسرعة إلى مناطق كان الوصول إليها يمثل تحديًا بالغ الصعوبة، كما حرص على زيارة معظم الولايات الآمنة التي لجأ إليها النازحون، ليقف بنفسه على حجم الاحتياجات ويضمن أن تصل المساعدات إلى مستحقيها.

دعاك ٣
الدكتور صلاح دعاك سيرة ومسيرة

وخلال تلك المرحلة، قاد الدكتور الدعاك الهلال الأحمر القطري ليفتح أكثر من جبهة إنسانية في وقت واحد. ففي الداخل، ركزت الجهود على سد النقص الحاد في الغذاء والدواء والإيواء، فانطلقت القوافل المحملة بالمواد الغذائية والاحتياجات الأساسية نحو الولايات المتأثرة بالحرب، ودُعمت المستشفيات والمراكز الصحية بالأدوية والمستهلكات الطبية والمعدات اللازمة لإنقاذ الأرواح.
ولم يتوقف العمل عند ذلك، بل شمل إنشاء مراكز لغسيل الكلى، وتأهيل عدد من المستشفيات والمرافق الصحية، وتنفيذ قوافل طبية متخصصة جابت الولايات في وقت كانت فيه الحركة بين المدن تكاد تكون مستحيلة بسبب ظروف الحرب.
أما قطاع المياه والإصحاح البيئي، فقد كان حاضرًا بقوة ضمن الأولويات؛ إذ نفذت فرق الهلال الأحمر القطري مشاريع عاجلة لتوفير مياه الشرب للنازحين داخل مراكز الإيواء، وشملت الجهود حفر الآبار، وتأهيل محطات المياه، بما خفف من معاناة آلاف الأسر التي وجدت نفسها فجأة بلا خدمات أساسية.
وخارج الحدود، لم ينسَ الهلال الأحمر القطري أولئك الذين اضطروا لعبور الحدود هربًا من أتون الحرب. فقد امتدت برامجه الإنسانية إلى اللاجئين السودانيين في تشاد ومصر وجنوب السودان، حيث شملت المساعدات السلال الغذائية، والدعم النقدي، وخدمات الإيواء، والرعاية الصحية، في رسالة واضحة بأن الأزمة السودانية لا تتوقف عند الحدود الجغرافية.
ولعل أكثر ما ميز تجربة الدكتور صلاح الدعاك كان رفضه لما يمكن وصفه بـ”الإغاثة الفوقية”. فلم ينظر إلى المجتمعات المحلية باعتبارها متلقية للمساعدات فقط، وإنما شركاء حقيقيين في العمل الإنساني. لذلك، كانت كل قافلة وكل مشروع يسبقه تنسيق مباشر مع اللجان الأهلية والسلطات المحلية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أبناء المنطقة هم الأقدر على تحديد أولوياتهم واحتياجاتهم.
وكان يردد في أكثر من مناسبة أن الهدف من العمل الإنساني لا يقتصر على إطعام جائع أو علاج مريض، وإنما يمتد إلى صون كرامة الإنسان، وإعادة شعوره بالأمان والاستقرار، ومنحه الأمل في أن المستقبل لا يزال ممكنًا رغم قسوة الحرب.
وتحت قيادته، أصبح الهلال الأحمر القطري أحد أكثر الأذرع الإنسانية حضورًا وتأثيرًا في السودان منذ اندلاع الحرب. فقد ساهم في سد فجوات كبيرة خلفتها الأزمة، واستمر في أداء دوره الإنساني في أوقات غابت فيها منظمات كثيرة عن المشهد بسبب تعقيدات الوضع الأمني.
ولم تكن تلك المساعدات مجرد مواد غذائية أو أدوية أو خيام، بل حملت معها رسالة إنسانية وسياسية في آنٍ واحد؛ مفادها أن دولة قطر اختارت أن تقف إلى جانب السودان وشعبه، وأن التضامن العربي يمكن أن يتحول إلى أفعال ملموسة، وإلى خبز يصل إلى الجائع، ودواء يصل إلى المريض، ومأوى يحفظ كرامة النازحين.

IMG 20250726 WA0013
قطر قدمت وما بخلت شكرا تميم الخير

الدكتور صلاح الدعاك لم يكن مجرد مدير لمؤسسة إغاثية، بل نموذجًا لقائد إنساني اختار أن يكون قريبًا من الألم قبل أن يكون قريبًا من الأرقام، وأن يقيس نجاحه بعدد الأرواح التي لامستها يد العون، لا بعدد التقارير التي كُتبت.
وفي ذاكرة الحرب السودانية، سيظل اسمه مرتبطًا بمرحلة سيذكرها كثير من السودانيين بعنوان واحد… “حين حضرت قطر”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى