مقالات

دكتور جاد الله فضل المولي يكتب : السعودية… بين الأصالة والنهضة

نقطة ارتكاز

 

 

في عالمٍ يتغيّر بسرعة مذهلة، حيث تتسابق الأمم نحو التقدّم وتتهافت الشعوب على اللحاق بركب الحداثة، اختارت المملكة العربية السعودية أن تسلك طريقاً مختلفاً، طريقاً أصعب لكنه أكثر رسوخاً: أن تنهض دون أن تتنكّر لأصالتها، وأن تنفتح على العالم دون أن تفقد هويتها، وأن تبني المستقبل وهي متمسكة بجذورها الراسخة.

 

الشعب السوداني يحب السعودية لأنها أرض الحرمين الشريفين، قبلة المسلمين ومهوى الأفئدة، حيث تتجلّى أعظم صور العناية بضيوف الرحمن. توسعات لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، تنظيم يبهر العقول، تقنيات سُخّرت لراحة الطائفين، وأمنٌ يبعث الطمأنينة في النفوس. هناك رأينا رجال الأمن يسقون العطشى، والمتطوعين يرشدون التائهين، وكل الإمكانات تُسخّر لخدمة ضيوف الرحمن بلا منّ ولا أذى.

 

إنها شهادة عيان لا يمكن إنكارها.ونحبها لأنها لم تفرّط في هويتها. فبينما تمضي المملكة بخطى واثقة نحو المستقبل، ما تزال محافظة على مكانتها الدينية وقيمها الأصيلة وتقاليدها الراسخة. المساجد عامرة، والأذان يصدح، والقرآن يُتلى، والانتماء للدين حاضر في وجدان المجتمع. هذه هي المعادلة الأصعب: أن تحقق التنمية دون أن تفقد الثوابت، وأن تبني العمران دون أن تهدم القيم، وأن تواكب العصر دون أن تتنكّر للأصالة.

 

لقد أثبتت التجربة السعودية أن التقدّم لا يعني التخلي عن المبادئ، وأن الحداثة لا تستلزم القطيعة مع الهوية، وأن الأصالة والتطور يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب حين تتوافر الرؤية والإرادة. فالمملكة اليوم تشهد تحوّلاً اقتصادياًوتنموياً هائلاً، مشروعات عملاقة، مدن حديثة، وبنية تحتية تضاهي كبريات الدول، ومع ذلك ظلّت محافظة على جوهرها الروحي والديني الذي يميزها عن غيرها.

 

نحن نحبها لأنها سندٌ وقت الشدة. نحن أهل السودان نعرف معنى السند في أوقات المحن، ونعرف قيمة اليد التي تمتد بالعون عند الأزمات، والسعودية كانت حاضرة في كثير من المواقف الإنسانية. استقبلت السودانيين حين ضاقت بهم الأرض من أهوال الحرب، ففتحت لهم أبوابها بقلوب رحبة، ويسّرت لهم الإقامة والعمل، وظلّت تمد يد العون وتسعى إلى الخير والإصلاح، وتؤدي دوراً كبيراً في محيطها العربي والإسلامي.

 

إن الإنصاف يفرض علينا أن نقول كلمة الحق، فالمنصف لا يبخس الناس أشياءهم، ولا يدفعه الإعجاب إلى تجاهل الأخطاء، بل يجعل العدل ميزانه فيما يقول ويكتب. وكلمة الحق لا تحتاج إلى تأشيرة، والعدل لا يعرف جواز سفر. لذلك نقول لإخوتنا في المملكة: حافظوا على هذه الروح التي جمعت بين البناء والتمسك بالقيم، وبين الإنجاز والمحافظة على الهوية.امضوا في طريق التقدّم، وتمسكوا بدينكم ومبادئكم، فهذه هي القوة الحقيقية التي قامت عليها هذه البلاد المباركة.

 

وتذكروا دائماً أن العزة الحقيقية ليست في المال ولا في العمران ولا في القوة المادية وحدها، وإنما في دين الله الذي هدانا إليه. كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة بغيره أذلّنا الله». فاجعلوا التقدّم خادماً للقيم لا بديلاً عنها، واجمعوا بين نهضة الدنيا وهداية الدين، فذلك هو السبيل إلى عزٍّ يدوم وبركةٍ تبقى.إن حبّ السعودية ليس عاطفةً عابرة، بل شهادة إنصاف، ورؤية عقل، وتجربة واقع. نحبها لأنها اختارت أن تكون مختلفة، أن تتقدّم دون أن تتنكّر لأصولها، وأن تنفتح على العالم دون أن تفقد هويتها، وأن تبني المستقبل وهي متمسكة بجذورها. وذلك هو الحب الذي يفرضه الإنصاف قبل العاطفة، والحق قبل المجاملة.حفظ الله المملكة العربية السعودية وشعبهامن كل سوء وبلاء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى