مامون علي فرح يكتب : المليشيا تحت رقابة الإدارة الأمريكية خطوات حاسمة لمعاقبة القتلة
قرص الشمس

في مشهد سياسي وقانوني بالغ التعقيد، تتسارع خطوات الإدارة الأمريكية نحو وضع مليشيا الدعم السريع تحت المجهر الدولي، بعد أن تكشفت للعالم جرائمها المروعة في الفاشر والجنينة وبابنوسة والجزيرة وغيرها من مدن السودان، حيث تحولت ساحات المستشفيات والمجمعات السكنية إلى مسارح قتل جماعي موثق بالأدلة والصور والفيديوهات التي هزت الضمير الإنساني.
لقد باتت هذه الجرائم، التي نفذها قادة ميدانيون مثل أبو لولو بتعليمات مباشرة من عبد الرحيم دقلو، مادة دامغة أمام المؤسسات العدلية الدولية، وأمام مجلسي الشيوخ والكونغرس الأمريكي، اللذين تحركا بخطوات حاسمة في أكتوبر الماضي عبر مشروع قرار تاريخي وصف تلك الانتهاكات بأنها إبادة جماعية تستهدف المجتمعات غير العربية في دارفور، ودعا إلى دعم المحكمة الجنائية الدولية ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
هذا المشروع الذي صاغه السيناتور الجمهوري جايمس ريش والسيناتور الديمقراطي كوري بوكر والسيناتور بن كاردين، وإن لم يُصوَّت عليه بعد ليصبح قانوناً نافذاً يوقعه الرئيس دونالد ترامب، إلا أنه يعكس إجماعاً نادراً بين الحزبين على ضرورة مواجهة هذه المليشيا التي ارتكبت اعتقالات خارج نطاق القضاء، وتعذيباً ممنهجاً، واغتصاباً جماعياً، واستعباداًجنسياً، وتهجيراً قسرياً، وهي ممارسات وثقتها تقارير ميدانية وصور أقمار صناعية التقطتها جامعة ييل الأمريكية أظهرت بوضوح أكوام الأجساد قرب المستشفى السعودي في الفاشر، في مشهد لا يترك مجالاً للشك في وقوع عمليات قتل جماعي.
لقد أصبحت هذه الأدلة المادية، إلى جانب شهادات الناجين ومقاطع الفيديو التي انتشرت على منصات التواصل، أساساً لتحرك أمريكي متصاعد، لا يمكن أن توقفه محاولات بعض القوى الإقليمية للتأثير أو تعطيله، فسمعة الولايات المتحدة وقوانينها لا تسمح بترك مثل هذه الجرائم تمر بلا عقاب. بل إن تقارير استخباراتية أمريكية تحدثت عن استخدام المليشيا لأسلحة أمريكية، وهو أمر تخضع له واشنطن لإجراءات صارمة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ما يزيد من حساسية الملف ويضاعف من إصرار الإدارة على المضي في العقوبات.
إن الضغط المستمر من أعضاء مجلسي الشيوخ والكونغرس، إلى جانب اهتمام صحفيين أمريكيين بارزين مثل براندون جاكسون الذي حاول دخول السودان لتوثيق الجرائم، يؤكد أن القضية لم تعد محلية أو إقليمية، بل تحولت إلى ملف دولي مفتوح، ستكون له تداعيات وخيمة على قادة المليشيا في القريب العاجل. فكل عملية قتل أو تهجير أو اغتصاب لم تكن مجرد فعل فردي، بل صدرت بتوجيهات عليا من حميدتي وأخيه عبد الرحيم، وهو ما يوسع دائرة الاتهام ويضع القيادة بأكملها تحت طائلة القانون الدولي.إن هذا التحرك الأمريكي، المدعوم بالأدلة والشهادات، يمثل بداية مرحلة جديدة في مسار العدالة الدولية، حيث لم يعد بالإمكان تجاهل الجرائم التي ارتكبت بحق المدنيين العزل، ولم يعد مقبولاً أن تبقى دارفور وغيرها من مناطق السودان مسرحاً مفتوحاً للإبادة الجماعية.
فالعالم اليوم أمام اختبار حقيقي، والولايات المتحدة، بما تملكه من نفوذ وتشريعات، تبدو عازمة على أن تجعل من هذه القضية نموذجاً لمحاسبة القتلة، مهما كانت مواقعهم أو نفوذهم، ومهما حاولت بعض الأطراف الإقليمية التدخل لحماية المجرمين.فهل يصحي الضمير العالمي ام مجرد تخدير وتحضير له مابعده؟


