
قرأت ما خطه الدكتور عبدالله محمد علي بلال أكثر من مرة، ولم أجد نفسي أمام مجرد مقال يستدعي ذاكرة الخرطوم القديمة أو يبكي على أطلال مدينة أنهكتها الحرب، بل وجدت نفسي أمام تشريح سياسي عميق لأزمة الدولة السودانية في أخطر مراحل تاريخها الحديث، وأمام صرخة وطنية تحاول أن تضع اليد على الجرح الحقيقي: كيف تُدار الدولة السودانية بعد الحرب؟ وهل تُدار بعقلية الدولة أم بعقلية الخوف من صعود الرجال؟
لقد كانت الخرطوم ـ كما أشار الكاتب ـ أكثر من مجرد عاصمة، كانت وطنًا مصغرًا، وكانت صورة مكثفة للسودان بكل تنوعه الاجتماعي والثقافي والسياسي، ولذلك فإن ما جرى فيها لم يكن مجرد دمار للبنايات والجسور والمقار الحكومية، وإنما كان استهدافًا مباشرًا لفكرة السودان نفسها. ولهذا فإن معركة إعادة الخرطوم ليست معركة خدمية عابرة، بل هي معركة استعادة هيبة الدولة وإحياء الثقة الوطنية في نفوس الناس الذين أنهكتهم الحرب والتشرد والانكسارات.
ومن هنا تأتي أهمية الإشارة إلى تجربة الفريق إبراهيم جابر، لأن الرجل ـ وبشهادة قطاعات واسعة من المواطنين ـ استطاع خلال فترة وجيزة أن يبعث رسالة مهمة مفادها أن الدولة لا تزال قادرة على الحركة والفعل، وأن الخراب ليس قدرًا أبديًا. فالشعوب الخارجة من الحروب لا تحتاج فقط إلى البيانات والخطب، بل تحتاج إلى رجال يملكون الإرادة والرؤية والقدرة على تحويل الأمل إلى واقع معاش.
غير أن القضية التي تستحق الوقوف عندها بعمق ليست مرتبطة بالأشخاص بقدر ارتباطها بطبيعة التفكير السياسي داخل الدولة السودانية. فالسودان، وللأسف، ظل لعقود طويلة أسيرًا لأزمة خطيرة عنوانها “الخوف من الكفاءات”، وهي الأزمة التي عطلت بناء المؤسسات الحقيقية وأدخلت البلاد في دوامة الولاءات الضيقة والحسابات الصغيرة.
إن الدول التي تبنى على أسس قوية لا تخشى بروز القيادات الناجحة، بل تعتبر نجاحهم امتدادًا لنجاح الدولة نفسها، أما حين تتحول الشعبية إلى مصدر قلق، والكفاءة إلى تهديد، فإن النتيجة الطبيعية هي إضعاف الدولة وإفراغها من رجالها القادرين على الإنجاز.
ولهذا فإن ما أورده الدكتور عبدالله بشأن الفريق شمس الدين كباشي يفتح بابًا مهمًا لفهم طبيعة اللحظة الراهنة؛ فالحرب السودانية الأخيرة أثبتت أن القائد الذي يوجد وسط جنوده ويخاطب وجدان الناس ويشاركهم تفاصيل المعركة يكتسب شرعية معنوية لا تصنعها القرارات الإدارية ولا البروتوكولات الرسمية. فالناس في أزمنة الأزمات تبحث عن الرموز التي تمنحها الطمأنينة والثقة، لا عن المسؤولين الذين يكتفون بإدارة المشهد من خلف الجدران المغلقة.
وفي تقديري، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة السودانية اليوم ليس فقط آثار الحرب العسكرية، وإنما خطر الانغلاق داخل دائرة ضيقة تتحكم في القرار السياسي والعسكري بمعزل عن بقية الطاقات الوطنية. لأن معركة ما بعد الحرب أكبر بكثير من أن تُدار بعقلية الإقصاء أو الحذر من تمدد النفوذ الشعبي لبعض القيادات.
السودان الآن في حاجة إلى “عقل دولة” لا إلى “عقل مجموعة”، وإلى مشروع وطني واسع يستوعب كل أصحاب الخبرة والتجربة، سواء داخل المؤسسة العسكرية أو القوى السياسية أو حركات الكفاح المسلح. فوجود شخصيات مثل مالك عقار وجبريل إبراهيم ومني أركو مناوي وغيرهم يجب أن يُقرأ باعتباره فرصة لبناء شراكة وطنية حقيقية، لا مجرد توازنات مرحلية فرضتها ظروف الحرب.
إن الشعوب التي تخرج من الحروب لا يعنيها كثيرًا من ينتصر داخل أروقة السلطة، بقدر ما يعنيها سؤال واحد: من يستطيع أن يعيد بناء الدولة ويحفظ ما تبقى من الوطن؟
ولهذا فإن مراجعة القرارات ليست ضعفًا سياسيًا كما يظن البعض، بل قد تكون أعلى درجات الحكمة والشجاعة. فالدول الكبرى لا تتردد في إعادة تقييم قراراتها حين تكتشف أن المصلحة الوطنية تقتضي ذلك، لأن العبرة في النهاية ليست بمن اتخذ القرار، وإنما بما يحققه القرار من نتائج على الأرض.
ويبقى التحدي الأكبر أمام القيادة السودانية اليوم هو إدراك أن معركة ما بعد الحرب أخطر وأعقد من الحرب نفسها؛ لأن الانتصار العسكري يمكن أن يتحقق بالبندقية، أما بناء الدولة فلا يتحقق إلا بالعقل المنفتح، والرؤية الاستراتيجية، والقدرة على استيعاب جميع الطاقات الوطنية دون خوف أو حساسية أو إقصاء.
فالسودان لن ينهض بعقلية تصفية الحسابات، وإنما ينهض حين تتحول الدولة إلى مظلة تتسع للجميع، وحين يصبح معيار البقاء في الموقع هو الكفاءة والقدرة على الإنجاز، لا القرب من دوائر النفوذ الضيقة .



