مقالات

دكتور جاد الله فضل المولي يكتب :  القوي الأمين… حجر الأساس في بناء الدولة السودانية

 

 

في كل مرحلة مفصلية تمر بها الدول، تتجلى الحاجة إلى قيادات تمتلك من الصفات ما يجعلها قادرة على حمل الأمانة وتحمّل مسؤولية القرار. وفي السودان، الذي عرف تعاقب الأزمات وتبدّل الحكومات وتحديات الانتقال السياسي، يبرز مفهوم اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب بوصفه ضرورة وطنية لا مجرد شعار. فالدولة التي تبحث عن الاستقرار لا يمكن أن تنهض إلا على أكتاف رجال ونساء يجمعون بين القوة والأمانة، وهما صفتان ظلّتا عبر التاريخ معيارًا للقيادة الرشيدة والإدارة الحكيمة.

 

القوة هنا ليست بطشاً ولا استعراضاً للنفوذ، بل هي كفاءة راسخة وقدرة على الإنجاز وخبرة فنية تجعل صاحبها قادراً على إدارة الملفات المعقدة التي تتطلب رؤية واضحة وقرارات حاسمة. إنها قوة العقل قبل قوة اليد، وقوة التخطيط قبل قوة التنفيذ. أما الأمانة فهي جوهر الأخلاق الإدارية، وهي النزاهة التي تمنع الانحراف، والشفافية التي تضيء الطريق، واحترام المال العام الذي يشكل أساس الثقة بين المواطن والدولة، والولاء للمصلحة الوطنية بعيداًعن المصالح الشخصية أو الحزبية التي أرهقت السودان طويلاً.

 

تعيين القوي الأمين في المناصب الحكومية ليس ترفاً فكرياًولا مطلباً مثالياً، بل هو ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة التي يعيشها السودان. فالدولة الخارجة من أزمات سياسية واقتصادية تحتاج إلى من يملك المهارة الحقيقية لإدارة شؤونها، وإلى من يحظى بثقة المجتمع وقدرته على بناء مؤسسات مستقرة لا تهتز بتغيّر الحكومات. تحتاج إلى من يحمي المال العام من الهدر والفساد، وإلى من يضع الوطن فوق كل اعتبار، لأن الأوطان لا تُبنى بالولاءات الضيقة ولا بالمحاصصات، بل تُبنى بالكفاءة والنزاهة والإخلاص.

 

غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في الاتفاق على أهمية هذه المبادئ، فالجميع يدرك قيمتها، بل يكمن في كيفية تطبيقها على أرض الواقع. فالسؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف نحدد القوي الأمين بعيداً عن تأثيرات الانتماء السياسي أو القبلي أو الجهوي؟ وكيف نضع معايير واضحة وشفافة للترشيح والتعيين تضمن أن يصل الأكفأ إلى المنصب لا الأقرب إلى دوائر النفوذ؟ وكيف نضمن استقلال المؤسسات حتى لا تتحول المناصب العامة إلى مكافآت سياسية تُمنح لهذا وتُحجب عن ذاك؟.

 

إن بناء دولة حديثة في السودان يبدأ من هنا، من إعادة الاعتبار لمبدأ الكفاءة، ومن ترسيخ ثقافة الأمانة، ومن وضع منظومة إدارية تحمي هذه القيم وتمنع الالتفاف عليها. فالدول التي نجحت في تجاوز أزماتها لم تفعل ذلك بالصدفة، بل لأنها اختارت رجالاً ونساءً يجمعون بين الخبرة والنزاهة، ثم بنت مؤسسات قوية تحافظ على هذا النهج وتمنع الانحراف عنه.

 

إن السودان اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة مفهوم الولاية العامة، ولإرساء قواعد جديدة تقوم على اختيار القوي الأمين لا القوي المتنفذ، والأمين على الوطن لا الأمين على مصالحه الخاصة. فالمستقبل لا يُصنع بالشعارات، بل يُصنع بالقرارات الصائبة، وبالرجال والنساء الذين يحملون الوطن في قلوبهم قبل أن يحملوا المناصب على أكتافهم.

 

وهكذا، يصبح تعيين القوي الأمين ليس مجرد خطوة إدارية، بل فعلاً وطنياً يعيد الثقة بين الدولة ومواطنيها، ويضع السودان على طريق التعافي والبناء، ويؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها المنصب العام مسؤولية لا غنيمة، وأمانة لا وسيلة، ورسالة لا امتيازاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى