المعز مجذوب يكتب : نواقيس الخطر… حين تتكرر الأخطاء بثوبٍ جديد

ليس ما يحدث اليوم في جنوب كردفان، وتحديداً في الدلنج، مجرد معركة عسكرية تُخاض على أطراف الجغرافيا… بل هو اختبار استراتيجي حاسم لمستقبل السودان كله.
هو لحظة مفصلية، تتشابه في ملامحها مع ما حدث بالأمس القريب، ولكن الخطر هذه المرة… أننا نكاد نُعيد ذات الأخطاء، بذات الغفلة، وبذات الثمن الباهظ.
ما يقوم به اللواء 54 مشاه، ومعه المقاومة الشعبية في الدلنج، ليس عملاً عسكرياً عادياً، بل هو نموذج متقدم للصمود الوطني، يعكس إرادة شعب يرفض الانكسار. هو ذات المشهد الذي رأيناه في فاشر السلطان، حين وقف الناس هناك، رجالاً ونساءً، ليكتبوا بدمائهم ملحمة الفداء.
هناك…
سقطت الشهيدة أم سكين – الدكتورة هنادي، لا كرقم في قائمة الشهداء، بل كرمز لقضية، كضمير حيّ، كأمانة تركتها في أعناقنا جميعاً.
قدّمت نفسها، لتبقى الفاشر صامدة… لتظل الأرض مصانة… لتبقى الكرامة حيّة.
لكن السؤال الذي يطاردنا اليوم، بلا رحمة:
هل صُنّا الأمانة؟
الحقيقة المؤلمة… أننا لم نفعل كما ينبغي.
لم نرتقِ إلى مستوى التضحية التي قُدّمت.
تركنا الثغرات تتسع، وسمحنا للأخطاء أن تتكرر، حتى أصبحت بعض الانتصارات مجرد لحظات مؤقتة، لا تُبنى عليها استراتيجيات مستدامة.
واليوم…
يتكرر المشهد في الدلنج.
نفس البطولة…
نفس التضحيات…
نفس الإصرار على الصمود…
ولكن، هل نكرر ذات النهاية؟!
إن ما حدث في بابنوسة، وما جرى في الفاشر، لم يكن بسبب ضعف المقاتلين، ولا قلة الشجاعة، بل بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية المتكاملة، وتفكك الجبهة الداخلية، وترك الميدان العسكري بلا سند سياسي وإداري وإعلامي متماسك.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي…
أن تُترك الدلنج تقاتل وحدها، كما تُرك غيرها من قبل.
أن يتحول الصمود البطولي إلى مجرد “مشهد إعجاب”، دون أن يُترجم إلى دعم حقيقي، وتخطيط بعيد المدى، وحشد وطني شامل.
إن الحرب اليوم لم تعد مجرد مواجهة بالسلاح، بل هي معركة وعي، معركة إدارة، معركة قرار.
فإما أن نُديرها بعقل الدولة… أو نخسرها رغم شجاعة الرجال.
يا من تسمعون نداء الدلنج…
اعلموا أن ما يحدث هناك ليس شأناً محلياً، بل هو خط الدفاع الأخير عن ما تبقى من تماسك هذا الوطن.
وأن كل تأخير في الفهم، وكل تردد في القرار، هو مساحة إضافية يتمدد فيها الخطر.
ماذا نقول للشهيدة أم سكين – الدكتورة هنادي؟
نقول لها – إن كنا صادقين – إننا تعلّمنا من دمك…
ولكن هل فعلنا حقاً؟!
الاختبار الآن… في جنوب كردفان.
والتاريخ لا يرحم من يعيد أخطاءه.
إن الدلنج اليوم ليست مجرد مدينة…
بل هي إنذار مبكر…
فإما أن نلتقط الرسالة، ونبني على التضحيات مشروع نجاة حقيقي،
أو نُسجّل فصلاً جديداً من الخذلان، يُضاف إلى ذاكرة مثقلة بالألم.
إنها نواقيس الخطر… ولكن هذه المرة،
إن لم نستجب، فلن يكون هناك متسع للبكاء .


