المعز مجذوب يكتب : اختبار للنفس البشرية

الصدق مع النفس ليس فضيلةً اختيارية، ولا ترفًا أخلاقيًا يُمارَس عند الفراغ، بل هو فرضُ عين، لا يستقيم دينٌ ولا وطن ولا مجتمع بدونه. فمن كذب على نفسه، عاش عمره كله يفاوض الحقيقة، ويؤجل المواجهة، ويبحث عن شماعات يعلّق عليها فشله، حتى يصبح الكذب عادة، والتزييف منهجًا، والخداع ثقافة عامة.
أخطر أشكال الكذب هو ذاك الذي نمارسه في الخلوات، حين نعلم يقينًا أين أخطأنا، ثم نُصرّ على تبرير الخطأ، ونمنحه أسماءً مخففة: “ظروف”، “مؤامرات”، “سوء تقدير”. هنا تبدأ الهزيمة الحقيقية؛ لأن الإنسان إذا خسر صدقه مع نفسه، فلن يربح ثقة الناس، ولن يبني مجتمعًا، ولن ينهض بوطن.
الصدق مع النفس شجاعة. والشجاعة ليست صراخًا في المنابر، ولا بطولاتٍ مصنوعة بالكلمات، بل هي القدرة على الوقوف أمام المرآة بلا مساحيق، والاعتراف: نعم أخطأت، نعم قصّرت، نعم انحرفت عن الطريق. من هنا فقط يبدأ الإصلاح، ومن هنا يولد الأمل الحقيقي.
مجتمعاتنا لا تعاني من قلة الشعارات، بل من غياب الصدق. نُكثر من الحديث عن القيم، ونمارس عكسها في الواقع. نلعن الفساد، ثم نُبرره إذا كان من جماعتنا. نُدين الكذب، ثم نصفق له إذا خدم مصالحنا. هكذا يُصاب المجتمع بانفصامٍ أخلاقي، وتضيع البوصلة، ويختلط الحق بالباطل.
الصدق مع النفس هو الجسر الوحيد نحو الصدق مع المجتمع. لا يمكنك أن تطالب الآخرين بالنزاهة وأنت تُخفي عيوبك، ولا أن تنادي بالعدل وأنت تمارس الظلم في التفاصيل الصغيرة. المجتمع ليس كيانًا غامضًا منفصلًا عنا؛ هو مجموع ذواتنا، فإذا صلحت الذوات، صلح الكل، وإذا فسدت، تعفّن الجسد كله.
وفي زمن الأزمات الكبرى، تكون الحاجة إلى الصدق أشد إلحاحًا. فالأوطان لا تُنقَذ بالأكاذيب البيضاء، ولا بالمسكنات الخطابية، بل بالاعتراف المؤلم بالحقيقة، وبالجرأة على تصحيح المسار مهما كان الثمن. نعم، الحقيقة موجعة، لكنها أقل كلفة من استمرار الوهم.
هذا حبرٌ من نار، لأن الكلام عن الصدق يحرق أقنعة الزيف، ويكشف العورات الأخلاقية، ويضعنا أمام سؤالٍ لا مهرب منه: هل نحن صادقون مع أنفسنا؟
فإن صدقنا مع أنفسنا أولًا، صدقنا مع مجتمعنا، وحينها فقط يمكن أن نحلم بوطنٍ معافى، لا يقوم على الخداع، بل على الحقيقة، مهما كانت قاسية



