
ليست العلاقة بين السودان والمملكة العربية السعودية بنداً في دفتر دبلوماسي عابر، ولا خبراً موسمياً يُستدعى عند الأزمات ثم يُطوى مع انقضاء العاصفة. إنها علاقة ممتدة في الجغرافيا والتاريخ والدين والمصالح، علاقة تشبه النيل حين يفيض؛ قد تهدأ مياهه أحياناً لكن جذوره لا تجف.
السعودية بالنسبة للسودان لم تكن يوماً دولة بعيدة خلف البحار، بل كانت سنداً عربياً ثابتاً في اللحظات الحرجة، وشريكاً اقتصادياً حقيقياً في فترات البناء، وملاذاً آمناً لملايين السودانيين الذين وجدوا فيها كرامة العمل واحترام الإنسان. ومن أرض السودان خرجت خيراتٌ وسواعدٌ وعقولٌ أسهمت في نهضة قطاعات واسعة داخل المملكة، فكان العطاء متبادلاً، وإن اختلف حجمه.
غير أن المؤلم أن هذه العلاقة كثيراً ما تُستغل داخلياً في السودان كساحة للمزايدة السياسية. كلما تعثرت البلاد، ألقى البعض بثقل فشله على الخارج، وكأن السعودية مطالبة بأن تحمل السودان على كتفيها كلما انحرف بنا الطريق. العلاقات بين الدول تُبنى على الاحترام والمصالح المشتركة لا على الابتزاز العاطفي ولا على الشعارات.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الرياض كانت الأكثر حرصاً على استقرار السودان، والأصدق في دعم وحدته، والأبعد عن التدخل الفج في شؤونه، بينما انشغل بعض أبنائه بجلدها كلما أرادوا صناعة خصمٍ وهمي يغطّي على عجزهم الداخلي. السعودية لم تخذل السودان، لكن السودان كثيراً ما خذل نفسه.
العلاقة اليوم تحتاج إلى إعادة تعريف من الجانب السوداني قبل أي طرف آخر:
نحتاج إلى دولة تحترم شراكاتها، لا إلى خطابات متقلبة حسب مزاج السياسة.
نحتاج إلى رؤية اقتصادية تجعل من السودان شريكاً موثوقاً لا عبئاً دائماً.
نحتاج إلى خطاب إعلامي مسؤول لا يستعدي من وقف معنا تاريخياً.
السعودية تتحرك وفق مشروع وطني واضح ورؤية استراتيجية عميقة، بينما ظل السودان لعقود أسير الارتجال والانقسامات. ومن لا يملك مشروعاً داخلياً محترماً لن يستطيع بناء علاقة خارجية متوازنة مهما ادعى.
ما بين الخرطوم والرياض تاريخ أطول من عمر الحكومات، وروابط أقوى من ضجيج المنصات، ومصالح مشتركة يمكن أن تصنع مستقبلاً مشرقاً إن أحسن السودان قراءة اللحظة وتعامل بعقل الدولة لا بعاطفة الجماعات.
فالعلاقات الكبيرة لا تموت… لكنها تضعف حين يتعامل معها الصغار بخفة


