
في زمنٍ تتكالبُ فيه المحنُ على الوطنِ، وتتكاثرُ فيه الجراحُ على جسدِ الأمةِ، ينهضُ من بين الركامِ رجالٌ لا يعرفونَ التراجعَ، ولا يهابونَ الموتَ، ولا يساومونَ على شرفِ الواجبِ. رجالٌ نذروا أرواحَهم فداءً للأرضِ والعرضِ، وكتبوا بدمائِهم الطاهرةِ ملحمةً من البطولةِ لا تُنسى، وخلّدوا أسماءَهم في سجلِّ الخالدينَ. إنّهم رجالُ كتيبةِ الموتِ بجهازِ المخابراتِ العامةِ بحري، الذين وقفوا وقفةً أسطوريّةً في وجهِ الطغيانِ، وتحدّوا جبروتَ مليشياتِ الدعمِ السريعِ، فكانوا سداً منيعاً، وصوتاً للحقِّ، ودرعاً للوطنِ.
منذُ فجرِ الخامسَ عشرَ من أبريل عامَ ألفينِ وثلاثةٍ وعشرينَ، وحتى التاسعِ والعشرينَ من يناير عامَ ألفينِ وخمسةٍ وعشرينَ، ظلّت كتيبةُ الموتِ مرابطةً في مواقعِها، لم تبرحْها لحظةً، ولم تُغادرْها تحتَ وابلِ القصفِ، ولا تحتَ ضغطِ الحصارِ، ولا تحتَ وطأةِ الجوعِ والعطشِ. كانوا يفترشونَ الأرضَ، ويلتحفونَ السماءَ، ويستمدّونَ من إيمانِهم باللهِ، ومن حبِّهم للوطنِ، ومن إخلاصِهم للمهمّةِ، طاقةً لا تنفدُ، وعزيمةً لا تلينُ، وصبراً لا يُقهرُ.
من أحدثِ جنديٍّ فيهم، الشهيدِ علي، إلى أقدمِ ضابطٍ، العميدِ ركنِ مجاهد عبدالصمد، وأركانِ حربِه، كانوا يعملونَ كخليةِ نحلٍ لا تهدأُ، ولا تتعبُ، ولا تتراجعُ. كانوا كتلةً واحدةً، قلباً واحداً، روحاً واحدةً، لا يعرفونَ التّخاذلَ، ولا يسمحونَ لليأسِ أن يتسلّلَ إلى صفوفِهم. قدّموا الشهيدَ تلوَ الشهيدِ، وشيّعوا رفاقَهم إلى جنانِ الخلدِ، ثم عادوا إلى مواقعِهم أكثرَ صلابةً، وأشدَّ بأساً، وأقوى إيماناً بأنّ النّصرَ لا يُولدُ إلا من رحمِ التّضحيةِ.
وفي قلبِ هذهِ الكتيبةِ، كانت هناكَ روحٌ أخرى، روحٌ تُداوي الجراحَ، وتُخفّفُ الألمَ، وتزرعُ الأملَ في العيونِ المتعبةِ. إنّها الكتيبةُ الطبيّةُ، بقيادةِ العقيدِ طبيبِ بكري الأمل، كما يُحبُّ رفاقُه أن يُنادوه، الرجلِ الخلوقِ، الصّابرِ، البشوشِ، صاحبِ النّكتةِ والطّلّةِ البهيّةِ، الذي لم يكنْ طبيباً فحسب، بل كانَ أخاً وأباً ورفيقاً ومُلهماً. من لا شيءٍ، ومن وسطِ الحصارِ، ومن بينِ الأنقاضِ، أقامَ بكري وأركانُ حربِه مستشفىً ميدانيّاً، يُداوي الجرحى، ويُنعشُ الأملَ، ويُعيدُ الحياةَ إلى من ظنّ أنّها فارقتْه.
لم تكن كتيبةُ الموتِ مجرّدَ وحدةٍ عسكريّةٍ، بل كانت رمزاً للصّمودِ، ومدرسةً في التّضحيةِ، ونموذجاً في الانضباطِ والانتماءِ. كانت حائطَ صدٍّ حقيقيّاً للقيادةِ العامّةِ للقوّاتِ المسلّحةِ، بعدَ اللهِ، وسوراً منيعاً حمى العاصمةَ من السّقوطِ، ووقفَ في وجهِ الطّوفانِ، وأثبتَ أنّ الإيمانَ أقوى من الرّصاصِ، وأنّ العقيدةَ أقوى من الدّبّاباتِ، وأنّ الرّجالَ حينَ يعقدونَ العزمَ، لا تُهزمُ لهم رايةٌ، ولا تُكسرُ لهم إرادةٌ.
هؤلاءِ الأبطالُ، الذين لا يعرفُهم كثيرٌ من النّاسِ، مذكورونَ عندَ اللهِ، محفوظونَ في سجلِّ المجدِ، خالدونَ في ذاكرةِ الوطنِ. لم يطلبوا جزاءً، ولم يسعوا إلى شهرةٍ، بل أدّوا واجبَهم بصمتِ العظماءِ، وارتقوا إلى ربّهم بكرامةِ الشّهداءِ. إنّهم الجنودُ المجهولونَ في عيونِ البشرِ، لكنّهم معروفونَ في السّماءِ، تُضيءُ أرواحُهم دروبَ الأملِ، وتُلهِمُ الأجيالَ القادمةَ معنى الفداءِ، وعمقَ الانتماءِ، وقداسةَ التّضحيةِ.
إنّ الحديثَ عن كتيبةِ الموتِ ليس مجرّدَ استذكارٍ لبطولةٍ عابرةٍ، بل هو توثيقٌ لمرحلةٍ مفصليّةٍ في تاريخِ السودانِ، وإشادةٌ برجالٍ كتبوا بدمائِهم فصلاً من فصولِ المجدِ، ورفعوا رايةَ الوطنِ عاليةً، في زمنٍ أرادَ فيه البعضُ أن يُسقطَها. هو نداءٌ للضّميرِ الجمعيِّ، بأن لا ننسى، ولا نتناسى، ولا نُفرّطَ في دماءِ من ضحّوا، ولا نُساومَ على تضحياتِهم، ولا نسمحَ بأن تُطمسَ ملامحُ بطولتِهم تحتَ ركامِ النّسيانِ.
كتيبةُ الموتِ ليست اسماً عابراً، بل هي عهدٌ خالدٌ، بأنّ في السودانِ رجالاً إذا نادى الوطنُ لبّوا، وإذا اشتدّ الخطبُ صمدوا، وإذا دقّت ساعةُ الفداءِ تقدّموا، وإذا ارتقوا شهداءَ، تركوا خلفَهم إرثاً من المجدِ لا يُمحى، ورايةً من العزِّ لا تُنكّسُ. فسلامٌ على أرواحِهم، وسلامٌ على صمودِهم، وسلامٌ على كلِّ من حملَ السّلاحَ دفاعاً عن الحقِّ، ووقفَ في وجهِ الطّغيانِ، وكتبَ بدمِه أنّ الوطنَ لا يُباعُ، ولا يُركعُ، ولا يُهزمُ.
تقبل الله الشهداء وشفي الله الجرحي وفك الله الاسري وحفظ الله السودان وشعبه من كل فتنة ومن كل طامع في أرضه وكرامته.

