ناجي الكرشابي يكتب : لقاء البرهان في أنقرة… حينما يسبق الرئيس بعثاته الخارجية..!؟

لماذا عجزت معظم بعثاتنا الخارجية عن عكس تضحيات الشعب السوداني، وبطولات وملاحم القوات المسلحة في معركة الكرامة؟
ولماذا ظل صوت السودان الرسمي خافتًا، باهتًا، في بلدان وعواصم مؤثرة كـ تركيا، التي تحتضن كبريات المؤسسات الإعلامية العربية والدولية، والتي يمكن أن تشكّل رافعة حقيقية للرواية السودانية الوطنية، لا سيما الرسمية منها؟
هذه الأسئلة ليست “مشاترة” ولا تنظيرًا إعلاميًا، هي خلاصة تجربة ومعايشة، خاصة وأن كثيرًا من هذه البعثات تشكّلت في عهد حكومة سيّ الذكر حمدوك، حين كانت الخارجية تُدار بعقلية إرضاء الخارج لا مخاطبته بندّية. ولا يخالجني أدنى شك في أن ضعف هذه البعثات كان مقصودًا لتهيئة بيئة خارجية مناسبة، وهل أدلّ على ذلك إلا من توصيف بعض الدول الصديقة لما يجري في بلادنا على أنه صراع بين طرفين، وليس تمردًا مسلحًا ومعركة وجود للشعب والدولة؟
بل هل يُعقل أن يتحرك رأس الدولة، وقائد جيشها، ورمز سيادتها، بالطريقة التي يتحرك بها الرئيس البرهان، وهو يزور المدن والقرى والفرقان، وتهبط طائرته حتى في مناطق الاشتباك وخطوط النار، بينما يتخندق بعض سفرائنا وقناصلنا في مكاتبهم الوثيرة، لا يحركون ساكنًا؟
والأدهى والأمرّ، ويا للحسرة، أن بعضهم تحوّل – بطوعه أو بفعل التخويف والابتزاز – إلى “معاون” في تصفية حسابات قديمة، ومؤامرات مُهجرة، أو مصالح شخصية تافهة مقارنة بحجم التضحيات الجسام التي قدّمها الشعب والجيش. ولن نزيد… وسنرسل الباقي في بريد آخر ليُحسم هذا العبث.
أقول: وضعت هذه الأسئلة، وغيرها، وبهذا الوضوح، أمام الرئيس البرهان، في لقائه ببعض أبناء الجالية بالعاصمة التركية أنقرة.
لم يتهرب، ولم يتجاهل، بل جاء رده في منتهى الوضوح. فالرجل يرى هذا القصور الفادح شاخصًا كلما زار دولة والتقى برئيسها، أو استقبل مبعوثيها، ولذلك لم يتردد في القول إن معظم الموجودين حاليًا في بعثاتنا وقنصلياتنا تجاوزوا السن القانونية، وأن ما بذلوه من جهد – مع تقديره – ظل دون مستوى طموحه هو شخصيًا، ودون حجم التحدي الذي تواجهه الدولة السودانية.
وللأمانة، كل كلمة قالها الرجل في هذا اللقاء تستحق مقالًا خاصًا، ولا نقول هذا تطبيلًا – حاشا لله وليست عادتنا – وإنما هو توصيف لقصور بعض مؤسساتنا التي تشكّلت بمباركة دقلو وحمدوك، وظل البرهان والدولة يدفعان فاتورة هذا النقص والقصور.
على كل حال، لم يكتفِ البرهان بالتشخيص، بل وعد بضخ دماء شبابية جديدة في شرايين هذه البعثات المعطوبة، وحسنًا فعل. فالرهان على الشباب خيار عملي تفرضه طبيعة المرحلة التي تحتاج إلى دبلوماسية حرب، دبلوماسية تفهم الدبلوماسية نفسها قبل الإعلام، وتتقن لغة العصر، وتجيد الاشتباك مع المنصات المؤثرة، سيما تلك الداعمة للعدو.
فمعركة السلاح، مهما بلغت تضحياتها، لا تكتمل دون معركة رواية وطنية، تُدار بعقول شابة، ونَفَس طويل، وإيمان حقيقي بعدالة القضية.
في تركيا تحديدًا، تبدو المفارقة أكثر إيلامًا. بلد يحتضن عشرات المنصات الإعلامية الكبرى، ومكاتب قنوات عربية مؤثرة، ومع ذلك ظل الحضور السوداني الرسمي باهتًا، إن لم يكن غائبًا. تُركت الساحة لروايات مضادة، ولمصادر مشبوهة، ولخطاب يُساوي بين الدولة والمليشيا، ويختزل معركة الكرامة في صراع سلطة.
لقاء أنقرة كشف الكثير أمام الرئيس البرهان، ابتداءً من طريقة تحرّك بعض الدبلوماسيين أثناء حديثه. بتلك الطريقة المعيبة، وأمام الكاميرات وعدسات الإعلام والصحفيين، يتحرك أولئك الذين يجهلون أبسط بروتوكولات العمل الدبلوماسي، وأهمها السكون أثناء كلمة رئيس الدولة بطريقة غريبة، ولايوجد أي مبرر يجعلهم يتحركون بهذه الصورة المعيبة أثناء حديث القيادة، اللهم إلا إن كان حديث الرئيس أقل أهمية عند هؤلاء.
ولقد شاهدتُ امتعاض الحرس ومراسم الرئيس، قبل نظرات الاستغراب التي كان يتقاذفها الحضور والصحفيين الأجانب فيما بينهم. تُرى، كيف نظر الرئيس إلى هذه العشوائية؟
كان لدينا الكثير مما لا يُقال في الفضاء الإعلامي، لنقوله للرئيس… ولكن…


