Uncategorized

دكتور جاد الله فضل المولى يكتب : من مائدة الطعام إلي مقابر الوطن

نقطة إرتكاز

 

أنا لا أكتب إليك من خلف الشاشات، ولا أتحدث عنك كغريب. أنا أعرفك شخصياً، والتقيت بك يوماً، وجمعتنا مائدة طعام واحدة، أكلنا الزاد معاً، وتبادلنا الحديث والضحكات. رأيتك عن قرب، لم تكن صورة في الأخبار، ولا اسماً في العناوين، بل رجلاً من لحم ودم، كنت تحمل همّاً وتصنع قراراً. ولهذا، فإنني أعلم تماماً ما تفعله قراراتك فينا، وأشعر بثقلها على صدورنا، نحن الذين لا نملك من أمرنا شيئاً سوى أن ننتظر نتائجها.

أنا لست سياسياً، ولا أنتمي إلى حزب، ولا أطمح في منصب أو سلطة. أنا مجرد مواطن سوداني بسيط، وُلدت على هذه الأرض، وأحببتها كما يحب الطفل حضن أمه. كل ما أريده هو أن أعيش بكرامة، أن أستيقظ على صوت الحياة لا على دوي المدافع، أن أرى أطفالي يكبرون في وطن لا تسرق الحرب أحلامهم، ولا تكتب البنادق مستقبلهم.

أكتب إليك من قلب المعاناة، من بين أنقاض البيوت، ومن تحت رماد المدن التي كانت يوماً تضج بالحياة. أكتب إليك لأنك تعرف، ولأنك قادر، ولأنك إن شئت، تستطيع أن توقف هذا النزيف. فهل تسمع؟ هل تذكر تلك اللحظة التي جمعتنا؟ هل تذكر الوجوه التي كانت حولك؟ كثير منهم اليوم إما في القبور، أو في المنافي، أو في صفوف الانتظار الطويلة على أبواب المستشفيات والمقابر. هذه ليست مجرد كلمات، إنها صرخة من قلب وطن يحتضر، فهل من مجيب؟

لقد تحولت بلادنا إلى مقبرة مفتوحة، لا تُحصى فيها القبور، ولا تُعرف فيها الملامح. المدن التي كانت تنبض بالحياة صارت أطلالاً، والقرى التي كانت تضحك في الصباح وتغني في المساء، صارت صامتة كأنها تئن من وجع لا يُحتمل. الخرطوم، نيالا، الفاشر، الجنينة،كردفان في كل المدن … أسماء كانت تملأ القلب فخراً، واليوم تملؤه وجعاً.

أتعلم ما هو أقسى من الحرب؟ أن ترى وطنك يُمزق أمام عينيك، وأنت عاجز عن إنقاذه. أن تسمع صراخ الأمهات، وترى دموع الأطفال،وتشتم رائحة الموت في كل زاوية، ثم تُقال لك كلمات جوفاء عن النصر والشهادة كما يقول افرادك إثنين بس ولماذا لاتضاف ثالثة؟. تقيف بس . أي نصر تيبنى على جماجم الأبرياء؟ وأي سيادة تُنتزع من بين أنقاض المستشفيات والمدارس والمنازل؟

يا عبدالرحيم، لا أحد يولد مجرماً، ولا أحد يُجبر على أن يكون قاتلاً. كلنا نُولد ببذرة خير، لكن بعضنا يختار أن يسقيها، وبعضنا يدفنها. لا زال في الوقت متسع، لا زال فيك ما يكفي من إنسانية لتقول: “كفى”. لا زال بإمكانك أن توقف هذا الجنون، أن ترفع الراية البيضاء، لا خنوعاً، بل رحمةً بهذا الشعب الذي لم يعد يحتمل.خاف الله لاتخف من الحكامات هنا سبب البلاء والزج بكم في معترك المعارك والدمار.

أوقف الحرب، ليس من أجل خصومك،بل من أجل أمك، من أجل إخوتك، أبناءك ،من أجل أولئك الذين وثقوا بك يوماً، فخذلتهم البنادق. أوقفها من أجل التاريخ، من أجل أن يُقال يوماً إنك اخترت الحياة على الموت، والوطن على الخراب.

نحن لا نطلب المستحيل، نطلب فقط أن نعيش. أن نُدفن في أرضنا لا أن نُحرق فيها. أن نُولد في وطن لا يقتل أبناءه، ولا يبيعهم في سوق المصالح

هذه رسالتي إليك… من قلب رجلٍ يعرفك، ويعرف أن فيك بقية من ضمير. فهل ستنصت؟.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى