
في قلب القارة السمراء، وعلى ضفاف النيل العظيم، ينبض السودان بتاريخ لا يشبه سواه، تاريخٌ لا يقتصر على حضارات الممالك القديمة فحسب، بل يمتد إلى أعماق الزمن ليحمل سراً أعظم، سراً يهمّ كل إنسان على وجه الأرض، إذ تشير الأدلة العلمية الحديثة إلى أن السودان لم يكن مجرد معبرٍ في رحلة الإنسان، بل كان نقطة البداية، المهد الأول، حيث وُلد الإنسان العاقل وبدأت الحكاية.
جمجمة سنجة التي عُثر عليها في ثلاثينيات القرن الماضي، والتي تعود إلى أكثر من مائة وستون ألف عام، لم تكن مجرد قطعة أثرية، بل كانت شهادة ميلادٍ للبشرية، ومع التقدّم العلمي في علم الجينات، جاءت دراسات حديثة لتؤكد أن الجينوم البشري الأقدم يوجد في غرب السودان، وتحديداً في مناطق كردفان ودارفور، ما يعني أن الإنسان الأول لم يخرج من شرق إفريقيا فحسب، بل من قلب السودان نفسه، هذه الحقيقة العلمية تعيد رسم خريطة التاريخ وتضع السودان في صدارة المشهد الإنساني.
إن هذا الاكتشاف لا يخص السودان وحده، بل هو ملكٌ للبشرية جمعاء، غير أن السودان يمتلك اليوم فرصةً نادرةً ليعيد تقديم نفسه للعالم، لا كدولة نامية تبحث عن مكانٍ في الحاضر، بل كأرضٍ أنجبت الماضي وصنعت البداية، فحين تتحدث الجينات، وتصمت الأوهام، لا يبقى سوى الحقيقة، والحقيقة تقول إن السودان هو الأصل، هو الجذر، هو الإنسان الأول.
العالم اليوم مدعوٌّ للنظر إلى السودان بعينٍ جديدة، عين الباحث لا المستهلك، عين المتأمل لا المتجاهل، فهذه الأرض التي أنجبت أول إنسان تستحق أن تكون مركزاً عالمياً للبحث العلمي، ومتحفاً مفتوحاً للتاريخ، ومنارةً للمعرفة، وعلى السودان أن ينهض بهذه المسؤولية، أن يحمي إرثه، أن يستثمر في علمائه، أن يفتح أبوابه للباحثين، وأن يروي للعالم قصته كما لم تُروَ من قبل.
إنها ليست مسألة فخرٍ وطني فحسب، بل نداءٌ عميقٌ للضمير الإنساني أن يعيد النظر في جذوره، أن ينحني احتراماً لأرضٍ أنجبت البدايات، واحتضنت أولى خطوات الإنسان نحو الحضارة، إنها لحظة استثنائية نُعيد فيها رسم خارطة الوعي البشري، لا بالحبر، بل بالحقيقة، لا بالأساطير، بل بالعلم، فالسودان لم يكن يوماً هامشاً في كتاب التاريخ، بل كان الصفحة الأولى، السطر الأول، الكلمة التي بدأت بها القصة، واليوم، وقد نطقت الأرض، آن للعالم أن يُنصت، آن له أن يعرف أن السودان ليس فقط وطناً، بل شهادة ميلادٍ للإنسانية نفسها.



