ناجي الكرشابي يكتب : “الآنَ” تسأل من الخاسر والرابح يا حمدوك…!؟

كنت أتحدث مع شباب ذهبوا من “الثورة” إلى “الصحافة” للمشاركة في جلسة “شراب شاي” وتفقد الأحبة، حينما خرج علينا “الهمبول” حمدوك بنداءٍ مليءٍ بما يشبه الحكمة من “بعيد”، وممتلئٍ بالخيانة من “قريب”، قال: “لا أحد رابح في هذه الحرب” وإنه قد حان الوقت “لإيقافها”.
جميل…
لكن السؤال الذي يقفز قبل النداء المرتجف:
هل كان سيصدر همبول هذا النداء لو كان الدعم السريع على مشارف بورتسودان؟ مجرد سؤال “خبيث” من “حاقد بلبوسي”…
من المؤسف أن بعض الساسة يخرجون للناس بكلامٍ نصفه خشب ونصفه ضباب، بينما الخراب الذي يضرب السودان خلال العامين الماضيين شاهق، حيّ، صلب، لا يحتمل مجاملة ولا يستقبل تجميلًا من عميل…
والمؤسف أكثر أن “الهمبول” يحاول ارتداء بدلة “الحياد” الضيقة على كرشه المملوء بمال السُّحت، وهو يعلم جيدًا أن الحياد في هذه اللحظة مشاركة ناعمة في الجريمة.
سأخبره مَن الرابح من حسم التمرد:
لعلّه لم ير الصور…
أو رآها ثم تظاهر بالنسيان.
لم ير جثث الشباب العُزّل و”المدنيين” الذين قُتلوا بدم بارد لأنهم “لا يوالون” الدعم السريع…
وربما لم يسمع صرخات النساء اللواتي تعرّضن للاغتصاب الجماعي، ولم يفتح إحصائيات آلاف المعتقلين والمختفين قسرًا، ولم يقرأ عن المقابر الجماعية التي تُكشف كل أسبوع، ولم يشاهد مدنًا مُحيت من الخريطة بفعل السلب والنهب والحرق.
الرابح يا حمدوك…
هو “السودان” الذي يريد أن يتنفس دون مليشيا فوق رقبته، والأسر التي تنتظر عودة أبنائها، والأطفال الذين يستحقون أن يناموا دون صوت رصاص، والنساء اللواتي ينتظرن القصاص ممن انتهكوا أجسادهن وكرامتهن، والمدن التي تريد أن تقوم من الرماد.
الرابح هو “كرامة الدولة”، لا كرامة تحالفات الفنادق.
ثم دعني أخبرك مَن الخاسر من نهاية التمرد:
الخاسر يا عبدالله…
هو كل من بنى مشروعه السياسي على احتمال سقوط الجيش، وكل من تخيّل أن المليشيا ستفتح له بوابة العودة إلى الخرطوم على ظهر “تاتشر”، وكل من ظن أن الخراب يمكن أن يكون طريقًا مُعبّدًا نحو السلطة.
الخاسر الحقيقي هو أنت…
وأولئك الذين وقفوا معك في “صموت وتقزُّم وتفطيس”،
الخاسر هو كل من ظن أن “حيادياته” ستغسل يديه من توقيع أديس أبابا، ذلك الاتفاق الذي حاولتم فيه أن تمنحوا التمرد صبغة سياسية فوق جثث المدنيين.
ولا تظنّن يا عبدالله أن السودانيين نسوا…
نسوا من وقّع، ومن صافح، ومن مدّ الحبال للمليشيا لتصعد عليها إلى المشهد.
الذاكرة السودانية لا تمحو الخيانة.
ثم ماذا لو كان الدعم السريع متقدمًا…؟
لا نريد كثيرًا من الخيال.
يكفينا أن نسأل:
هل كنا سنسمع “لا يوجد طرف رابح” لو كان حميدتي اليوم على أبواب بورتسودان؟
هل كنت ستقف هذا الموقف لو كان الجيش هو الطرف المحاصر؟
أم كنت ستخرج لتبشّرنا بـ”استعادة الدولة المدنية” على أسنّة حراب الدعم السريع؟
الأسئلة واضحة،
والإجابات أوضح،
لكنّها لا تناسب بيانات “الصوت المخملي”.
نهاية القول…
هذه الحرب ستنتهي،
والتمرد سيُحسَم،
والسودان سيعود كما يعرفه أهله: عنيدًا، عصيًّا على السقوط.
لكن الذي لن يعود…
هو مشروع السياسيين الذين بنوا مستقبلهم على خراب وطنهم، أولئك الذين انتظروا نصف خطوة من مليشيا ليعودوا فوق “دخان” الدولة.
وسيبقى السؤال مرفوعًا في الهواء:
لماذا يخاف بعضكم من نهاية التمرد أكثر مما يخاف من استمرار الحرب؟ …



