Uncategorized

دكتور جادالله فضل المولي يكتب : كديسة سكي الفأر

نقطة إرتكاز

 

 

تبدو الهدنة التي تقترحها الولايات المتحدة في السودان للوهلة الأولى خطوة إنسانية تهدف إلى وقف إطلاق النار وفتح ممرات آمنة للمساعدات لكن خلف هذا القناع الإنساني تتحرك واشنطن وفق أجندة استراتيجية دقيقة تسعى من خلالها إلى إعادة تشكيل المشهد السوداني بما يخدم مصالحها الإقليمية والدولية فالمقترح الأمريكي لا يقتصر على وقف القتال بل يتضمن خطة تمتد لتسعة أشهر تنتهي بتشكيل سلطةتنفيذية مشتركة بين الجيش والدعم السريع وممثلي القوى المدنية تحت إشراف أمريكي مباشر وبشروط تُكرّس النفوذ لا السيادة أي يتم فرض حكومة مدنية متمثلة في احزاب قحت.

 

الولايات المتحدة التي ترفع شعار العدالة والمواطنة لا تُخفي رغبتها في السيطرة على مسار التسوية وتوجيهه بما يضمن بقاء السودان ضمن دائرة نفوذها خصوصاً في ظل التنافس المتصاعد في البحر الأحمر حيث تسعى واشنطن إلى منع أي تمدد روسي أو صيني في المنطقة هذا التوجّه لا يخدم السودان بل يُعيد إنتاج الأزمة في ثوب جديد ويُفرغ مفهوم السلام من مضمونه الوطني ليصبح أداة لإعادة هندسة التوازنات الداخلية وفق مصالح الخارج.

 

مدينة الفاشر التي تعاني من المجاعة والانهيار الإنساني تُستخدم كورقة ضغط في الخطاب الأمريكي بينما تُغفل واشنطن حقيقة أن من يُغذّي الصراع هم ذات الأطراف التي تدّعي الوساطة فالمليشيا المدعوم من قوى إقليمية لا يمكن أن يكون شريكاً في تسوية عادلة والجيش السوداني الذي يحاول الحفاظ على وحدة البلاد يُدفع نحو مساومات تُضعف موقفه وتُربكه سياسياً.

 

إن ما تريده أمريكا من الهدنة ليس وقفاً دائماً للقتال بل هدنةً تُمهّد لتسويةٍ تُدار وفق شروطها وتُبقي السودان في حالة من التبعية السياسية تحت غطاء إنساني وسياسي وهذا ما يجعل المقترح الأمريكي أقرب إلى وصايةٍ دوليةٍ منه إلى مبادرةٍ للسلام فالسودان لا يحتاج إلى تسوياتٍ مفروضةٍ من الخارج بل إلى إرادةٍ وطنيةٍ حرةٍ ومبادرةٍ عربيةٍ صادقةٍ تُعيد الاعتبار لسيادته وتُنقذ شعبه من دوامة التدخلات والمصالح المتشابكة.

 

كل يوم يمر دون هذا التحول هو يوم إضافي في عمر المأساة السودانية التي لم تعد مجرد أزمة داخلية بل باتت ساحةً مفتوحةً لصراع النفوذ الدولي تُدار فيها حياة السودانيين كأرقامٍ في معادلاتٍ سياسيةٍ لا تراعي كرامتهم ولا تحترم حقهم في تقرير مصيرهم.

 

السودان اليوم لا يحتاج إلى كديسةٍ تلهو بفأرٍ منهك بل إلى وعيٍ وطنيٍ يُدرك حجم المؤامرة ويُعيد ترتيب الأولويات وفقاً لمصلحة الشعب لا رغبة الخارج فالمعركة لم تعد فقط بين الجيش والمليشيا بل بين إرادةٍ وطنيةٍ تسعى للنجاة ووصايةٍ دوليةٍ تُريد الهيمنة تحت ستار الإنسانية والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى