في خضمّ الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، ومع تزايد التحديات التي تعترض مسيرة الإعلاميين، لا سيما أولئك الذين آثروا البقاء في الداخل ملبّين نداء الواجب الوطني والمهني، تبرز أهمية خطوة توحيد الصف الصحفي كضرورة ملحّة وليست مجرد ترف تنظيمي. إن إعلان مجموعة من الصحفيين عن تأسيس مجلس تنسيقي يمثل الصحفيين داخل السودان، عقب اجتماع تفاكري في بورتسودان، يمثل بصيص أمل ونقطة تحوّل محورية نحو تعزيز قوة وتأثير مهنة الصحافة في هذه المرحلة الحساسة.
إن التئام هذا الجمع المهني، بمختلف انتماءاته، للتفاكر حول سبل تطوير الأداء الصحفي وتعزيز الدور الوطني للإعلام، يعكس وعياً عميقاً بمسؤولية الكلمة في وقت تحتاج فيه البلاد إلى صوت إعلامي رصين وموحّد. التوافق على تأسيس مجلس تنسيقي يضم (12) صحفياً، ليكون حلقة وصل فاعلة وسنداً قوياً للدفاع عن قضايا المهنة والمنتسبين إليها، هو اعتراف ضمني بأن التشتت يضعف، وأن الوحدة هي الطريق الوحيد لصون حرية الكلمة وكرامة الصحفي.
أحد أبرز القضايا التي تناولها الملتقى، وهي تعديلات قانون الصحافة والمطبوعات المرتقبة، تضع المجلس التنسيقي أمام تحدٍ كبير ومسؤولية تاريخية. المطالبة بضرورة إشراك المختصين في الصحافة الإلكترونية ضمن اللجنة المعنية بالتعديلات، هو موقف حكيم وواقعي. فالصحافة الإلكترونية أصبحت المنبر الرئيسي للإعلام في السودان خلال فترة الحرب، وتجاهل واقعها أو سنّ قوانين لا تراعي خصوصيتها التقنية والقانونية سيعرض مستقبل هذا النوع الحيوي من الإعلام للخطر، ويقيّد حرية التعبير في الفضاء الأوسع. إن الصحفيين هم الأقدر على تحديد ما يخدم مهنتهم ويصون استقلالها.
ولعلّ النقطة الأشد إيلاماً وأهمية في ذات الوقت، هي إدانة الانتهاكات التي طالت الصحفيين مؤخراً، وعلى رأسها الحادثة المؤسفة للزميلة هاجر سليمان. هذه الإدانة الصريحة، والمطالبة باحترام حقوق الصحفيين والالتزام بالقوانين، ليست مجرد تعبير عن تضامن عابر، بل هي تأكيد على أن كرامة الصحفي جزء لا يتجزأ من كرامة المهنة وحرية الصحافة نفسها. المجلس التنسيقي المزمع إنشاؤه، سيكون درعاً يحمي هذه الكرامة وحصناً للدفاع عن القانون، وهذا جوهر دوره المرتقب.
التوصيات الثمانية التي صدرت عن الملتقى تمثل خريطة طريق واضحة المعالم: من التوافق على جسم تنسيقي موحد، إلى تمثيل الصحفيين في لجان تعديل القوانين، مروراً بتعزيز التدريب والتأهيل لمواكبة التطورات التقنية، ووصولاً إلى المطالبة بتخصيص الإعلانات الحكومية لدعم المواقع الإلكترونية الوطنية. كل بند من هذه البنود يعكس وعياً باحتياجات المهنة في مرحلة الأزمة، ويؤكد أن الصحفيين لا ينظرون إلى القضايا الفردية فحسب، بل يسعون إلى بناء بيئة عمل مستدامة ومقوّاة.
ختاماً، إن الخطوة التي أُعلنت في بورتسودان، ليست مجرد ترتيبات إدارية، بل هي إعلان التزام جماعي ومسؤول. إن تأسيس صوت موحد للصحافة السودانية في الداخل، يعبّر عن الهموم والتطلعات، ويحمي حرية الكلمة واستقلال المهنة، هو الركيزة الأساسية لضمان أن يظل الإعلام السوداني قادراً على خدمة الوطن والمواطن في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ السودان. الوحدة المهنية هي مفتاح القوة، وبها فقط يمكن للصحافة أن تؤدي دورها كاملاً كـ “سند قوي” للوطن.



