
في لحظة فارقة من تاريخ الشعوب، حين تخرج من رحم الصراع وتبدأ في لملمة جراحها، تبرز العدالة الانتقالية لا كترف قانوني، بل كضرورة وجودية. هي ليست مجرد محاكمات، ولا مجرد اعترافات، بل هي محاولة جادة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، بين الضحية والجاني، بين الماضي والمستقبل. في السودان، حيث الدم لم يجف بعد، وحيث الذاكرة مثقلة بالخوف والخذلان، تصبح العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية طريقاً محفوفاً بالألغام، لكنه الطريق الوحيد نحو وطنٍ لا يُعاد إنتاج ألمه.
كيف نُحاسب دون أن نُنتقم؟ هذا السؤال لا يُجاب عليه في قاعات المحاكم فقط، بل في ضمير الأمة. المحاسبة ليست انتقاماً إذا كانت قائمة على القانون، على الأدلة، على الإنصاف. الانتقام يطمس الحقيقة، أما العدالة فتُظهرها. حين يُحاسب الجاني دون إذلال، حين يُعترف بالخطأ دون تشفٍّ، حين يُردّ الحق دون إذلال، نكون قد اخترنا طريق العدالة لا طريق الثأر. العدالة الانتقالية لا تعني أن نغضب، بل أن نُعقل، أن نُعيد ترتيب الذاكرة دون أن نحرقها.
وكيف نُصالح دون أن نُغفل الحقوق؟ المصالحة ليست صفحاً مجانياً، ولا تجاوزاً عاطفياً، بل هي اعترافٌ بالخطأ، واعتذارٌ عنه، وتعويضٌ عادل. لا يمكن أن تُبنى المصالحة على النسيان، بل على التذكّر المشترك. أن يعرف الجميع ما حدث، وأن يتفقوا على ألا يتكرر. المصالحة الحقيقية لا تُغفل الحقوق، بل تُعيدها إلى أصحابها، وتُعيد للضحايا صوتهم، وللجناة إنسانيتهم، وللوطن كرامته.
من يكتب رواية الحقيقة في ظل تعدد الروايات؟ تُكتب الحقيقة حين يُسمع الجميع. حين لا يُقصى أحد من سرديته، ولا يُفرض على أحد رواية واحدة. الحقيقة ليست ملكاً لفئة، بل هي فسيفساء من الألم والنجاة، من الاعتراف والإنكار، من الصمت والصراخ. العدالة الانتقالية تُنصت لكل صوت، وتُعيد تشكيل الرواية الوطنية من شظايا الذاكرة الجماعية، لا من سردية المنتصر وحده.
في السودان، لا نحتاج إلى عدالة تُرضي الخارج، بل إلى عدالة تُنقذ الداخل. لا نحتاج إلى مصالحة تُجمّل الواقع، بل إلى مصالحة تُغيّره. لا نحتاج إلى رواية تُكتب بالحبر، بل إلى رواية تُكتب بالصدق. لأننا إن لم نُحاسب بإنصاف، سننتقم بلا وعي، وإن لم نُصالح بكرامة، سنُعيد إنتاج الكراهية، وإن لم نكتب الحقيقة معاً، سيكتبها من لا يعرفنا.
العدالة الانتقالية ليست نهاية الطريق، بل بدايته. والمصالحة الوطنية ليست طيّاً للصفحات، بل فتحاً لها من جديد، بوعيٍ أكبر، وبأملٍ لا يُكسر. السودان يستحق أن يُشفى، لا أن يُخدّر. يستحق أن يُبنى، لا أن يُعاد هدمه باسم العدالة أو المصالحة. لأن الوطن لا يُشفى إلا حين تُشفى ذاكرته، وتُردّ كرامته، ويُكتب تاريخه كما عاشه الناس، لا كما أرادته السلطة.
