مقالات

دكتور جاد الله فضل المولى يكتب :  امرأة بين حكمين

نقطة إرتكاز

 

ليست بين قوسين، بل بين قسوتين. بين حكم الزمان الذي غيّب زوجها في ظروف لا ترحم، وحكم القانون الذي لا يعترف بغيابه إلا بعد مرور الزمن وتراكم البينات. هي امرأة لا تعرف إن كانت أرملة تُعزى أم زوجة تُنتظر، لا تملك يقيناً يُريح قلبها، ولا حكماً يُنصف حياتها. بين حكم القدر الذي اختطف، وحكم القاضي الذي يتريث، تبقى معلقة في فراغٍ لا يُحتمل، تنتظر أن يُقال لها أنت حرة في قرارك، في مصيرك، في أن تعيشي كما يليق بك.

في بلادٍ تتكاثر فيها الحروب والغيابات القسرية، وتختلط فيها المأساة بالانتظار، تقف زوجة المفقود على حافة الحياة، لا هي أرملة تُعزى، ولا زوجة تُحمى، بل امرأة معلقة بين الرجاء واليأس، بين غياب لا يُعرف له مكان، وظرف يغلب عليه الهلاك، وبين قانون لا يلتفت إلى دقات قلبها إلا بعد أن يذبل العمر ويجف الصبر.

وفقاً لقانون الأحوال الشخصية للمسلمين في السودان لسنة ١٩٩١م، فإن الزوجة لا تُعتبر أرملة إلا بعد صدور حكم قضائي باعتبار زوجها متوفى، وهو ما لا يتم إلا بعد مضي مدة حددها القانون السوداني، كما جاء في المادة ١٨٩ من تعديل ٢٠٢٠م تحت عنوان طلب التطليق للفقد، حيث نص القانون على أنه يجوز لزوجة المفقود طلب التطليق بعد مضي سنة من تاريخ الغياب، إذا لم يُعرف له مكان ولم يره أحد، وكان الغياب في ظرف يغلب عليه الهلاك.

هذا النص القانوني يفتح الباب أمام الزوجة لتتحرك، لكنه لا يفتح لها الحياة فوراً، بل يضعها في مسار طويل من الإثبات والإجراءات، حتى تصل إلى لحظة الحكم، ثم تبدأ عدتها المحددة شرعاً بأربعة أشهر وعشرة أيام، وبعدها إن أرادت الزواج فلها ذلك، فإن ظهر الزوج المفقود بعد زواجها، فلها الخيار بين البقاء مع الزوج الجديد أو الطلاق والعودة إلى زوجها السابق، إن رضي الزوج الجديد بطلاقها.

بعد استكمال العدة كما ورد بالمادة ٢١٠ من قانون الأحوال الشخصية لسنة ١٩٩١م تعديل ٢٠٢٠م، فإن كانت المرأة حاملاً فعدتها وضع الحمل، وإن كانت غير حامل فعدتها ثلاث حيضات لذوات الحيض، وثلاثة أشهر لمن لم تحض أصلاً أو بلغت سن اليأس وانقطع حيضها.

أما إذا ظهر الزوج بعد أن قُسمت تركته، فإن ما جاء من آراء الفقهاء واختلافاتهم يُعيد ترتيب المشهد، فيُسترجع المال الذي وُجد بعينه، ويُعوّض ما تلف بقيمته، وتُسترد الزوجة إن لم تكن قد دخلت بزوجها الثاني، ويُبيّن ظهور الزوج خطأ الحكم السابق بوفاته، ويُعاد له ما سُلب منه بفعل الغياب.

القانون في هذا السياق يستصحب المبادئ الفقهية الراجحة، كما نصت المادة (٦) من ذات القانون، التي تُعلي من قاعدة “الضرر يزال”، و”التصرف على الرعية منوط بالمصلحة”، وهي مبادئ تُعطي القاضي مساحة واسعة لرفع الحرج .

لكن الواقع لا يرحم أيضاً، فالكثير من النساء لا يعرفن هذه المسارات، ولا يملكن القدرة على الوصول إلى القضاء، ولا يجدن من يُرشدهن إلى حقوقهن، فيبقين رهينات الغياب، ضحايا لظروف لا يد لهن فيها، وأسرى لقوانين لا تُطبق إلا بعد أن يُنهكهن الزمن.

إن قضية زوجة المفقود ليست مسألة قانونية فحسب، بل قضية شرعية وإنسانية، تتطلب وعياً مجتمعياً، وتضامناً قضائياً، ومراجعة تشريعية تُراعي الواقع، وتُعلي من كرامة المرأة، وتُعيد لها حقها في أن تُعامل بعدل، لا أن تُترك معلقة بين حكمين.

يجب تطبيق الأحكام الشرعية المستمدة من آيات القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، مع استشارة أهل العلم والفقه عند الحاجة، فالشريعة لا تُعلق النساء، ولا تُجمد حياتهن، بل تُنصفهن وتُكرمهن وتمنحهن حق القرار.

حفظ الله نساء السودان من كل ظلم، ومن كل غياب لا يُحتمل، ومن جور الزمان.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى