مقالات

دكتورجادالله فضل المولى يكتب : حكومة الأمل… بين الوعود والواقع

نقطة إرتكاز

 

حين أعلن رئيس الوزراء السوداني دكتور كامل إدريس عن تشكيل ما أسماها حكومة الأمل ، بدا وكأن البلاد تقف على أعتاب مرحلة جديدة. جاءت التصريحات محملة بروح التفاؤل، تتحدث عن التقشف، النزاهة، محاربة الفساد، وتجاوز المحاصصات الحزبية لصالح الكفاءة والخبرة. لكن بعد مرور أشهر، يحق للمواطن أن يتساءل: هل تحقق الأمل؟ أم أنه ما زال حبيس التصريحات؟

الهيكل الوزاري الجديد، الذي خُفض إلى ٢٢ وزارة، ورافقه دمج لبعض الوزارات وإلغاء هيئات وُصفت بأنها موازية، لم ينعكس بشكل ملموس على حياة الناس. الأداء العام ظل يراوح مكانه، والخدمات لم تشهد تحسناً يُذكر، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الاقتصادية، ويتدهور الجنيه، وتتصاعد تكاليف المعيشة.

السودان يخرج من حرب مدمرة، ويستعد لمرحلة إعادة الإعمار وسط تحديات جسيمة. الإيرادات ضعيفة، البنية التحتية منهكة، والإنتاج المحلي شبه متوقف في قطاعات حيويةكالبترول والزراعة. ورغم دعوات الحكومة للكفاءات الوطنية في الداخل والخارج للمساهمة في البناء، فإن غياب آليات واضحة للتنفيذ يجعل هذه الدعوات أقرب إلى الأمنيات منها إلى السياسات الفاعلة.

أن الحكومة تحتاج إلى أن تكون رشيقة، مرنة، وقادرة على التكيف مع المتغيرات. المطلوب هو تجاوز البيروقراطية التي عطلت الحكومات السابقة، وتبني نماذج إدارية حديثة تركز على النتائج لا على الإجراءات.لكن حتى الآن، لم تظهر مؤشرات قوية على أن حكومة الأمل تسير في هذا الاتجاه، بل إن بعض القرارات، مثل دمج وزارة التجارة مع الصناعة، أثارت جدلاً واسعاً حول جدوى الترتيبات الجديدة ومدى عدالتها.

ولكي تخرج البلاد من أزمتها، لا بد من خطوات عملية تتجاوز التنظير. أولها إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، عبر شفافية حقيقية في الأداء والمحاسبة. ثانيها إطلاق خطة اقتصادية واضحة المعالم، تستند إلى الإنتاج المحلي، وتستهدف تقليل الاعتماد على الخارج. ثالثها إصلاح الخدمة المدنية، وتحسين بيئة العمل، وتقدير الموظف والعامل باعتبارهما حجر الأساس في أي نهضة. ورابعها، وهو الأهم، ترسيخ مبدأ سيادة القانون على الجميع دون استثناء، لأن العدالة هي أساس الاستقرار.

جرد الحساب الأول لحكومة الأمل يكشف عن فجوة بين الخطاب والممارسة. فالأمل لا يُبنى بالتصريحات، بل بالأفعال. والمواطن السوداني، الذي أنهكته الأزمات، لا ينتظر شعارات جديدة، بل حلولاً واقعية، وخدمات ملموسة، وعدالة تطبق على الجميع دون استثناء. حكومة الأمل أمام اختبار حقيقي: إما أن تكون نقطة تحول في تاريخ السودان، أو مجرد فصل آخر في كتاب الوعود المؤجلة. والفيصل سيكون في قدرتها على تحويل الأقوال إلى أفعال، والأحلام إلى واقع يعيشه الناس لا يقرأونه في الصحف.حفظ الله السودان وشعبه من كل فتنة ومن كل طامع في أرضه وكرامته.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى