
في قلب الخراب الذي ينهش السودان، تتكشف فصول حرب لا تشبه الحروب التقليدية، بل تحمل في طياتها ملامح الاستهداف العابر للحدود، حيث تتحول أرض السودان إلى ساحة مفتوحة لتجريب الموت وتدوير المصالح. لم تعد الحرب مجرد صراع داخلي ، بل أصبحت مسرحاً لحرب المرتزقة، أولئك الذين جاؤوا من خلف البحار، لا يحملون قضية ولا يعرفون الأرض، لكنهم يعرفون كيف يضغطون الزناد مقابل المال.
في مشهد عبثي، يظهر المرتزقة الكولومبيون الذين استقدمتهم حكومة أبوظبي، ليقاتلوا في أرض لا تربطهم بها أي رابطة، سوى عقود القتل المدفوعة. هؤلاء ليسوا جنوداً، بل أدوات مستأجرة، لا يميزون بين طفل وخصم، ولا بين دار عبادة وموقع عسكري. وجودهم في السودان ليس مجرد تفصيل عابر، بل هو مؤشر خطير على أن الحرب لم تعد سودانيةخالصة، بل أصبحت جزءاً من لعبة دولية قذرة، تُدار من غرف مظلمة، وتُنفذ على أجساد الأبرياء.
السودان، الذي لطالما كان أرضاً للكرم والتسامح، يُنهب اليوم تحت غطاء الحرب، وتُستباح سيادته أمام أعين العالم. فحين تتحول حكومة مثل حكومة أبوظبي إلى ممول رئيسي للمليشيات، وتفتح أبوابها لتجنيد المرتزقة، فإن ذلك لا يعكس فقط تورطاً سياسياً، بل يكشف عن مشروع استنزاف ممنهج،هدفه تفكيك السودان وإعادة تشكيله وفق مصالح خارجية لا تعبأ بمصير شعبه.
المؤلم في هذا كله أن الدم السوداني يُسال بلا حساب، وأن العالم يكتفي بالمراقبة، بينما تُكتب فصول جديدة من المأساة. لا صوت يعلو فوق صوت السلاح، ولا أحد يسأل عن الأطفال الذين فقدوا آباءهم، أو النساء اللواتي ينتظرن عودة من لن يعود. إنها حرب بلا قلب، بلا شرف، بلا نهاية في الأفق.
في ظل هذا الواقع، لا يمكن الحديث عن سلام حقيقي ما لم تُكشف الحقائق، ويُحاسب من استقدم المرتزقة، ومن موّلهم، ومن صمت عنهم. فالسودان لا يحتاج إلى بيانات دولية باردة، بل إلى وقفة ضمير، إلى عدالة ترد له كرامته، وتوقف نزيفه. وحتى ذلك الحين، سيظل السودان ينزف، وسيظل المرتزقة يعبثون بأرضه، وسيظل العالم يتفرج على وطن يُذبح في وضح النهار.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من المرتزقة، بل إلى من يحملون ضميراً حياً، إلى من يؤمنون بأن الأوطان لا تُباع، وأن الدم لا يُستباح. فليكن هذا المقال صرخة في وجه الصمت، ولعلها توقظ من لا يزال يملك القدرة على الإنقاذ.حفظ الله السودان وشعبه من كل فتنة ومن كل طامع في أرضه وكرامته.


