مقالات

 دكتور جاد الله فضل المولى يكتب : التعليم في السودان : بين الانهيار والنهوض

نقطة إرتكاز

 

في بلدٍ عُرف تاريخياً بريادته التعليمية في أفريقيا والعالم العربي، يعيش السودان اليوم أزمة تعليمية خانقة تهدد مستقبل أجياله القادمة المدارس الحكومية، التي كانت يوماً منارات للعلم والمعرفة، أصبحت في كثير من المناطق مجرد مبانٍ متهالكة، وفصول بلا سقوف، وطلاب بلا كتب، ومعلمون بلا دعم. إنها أزمة مركبة، تتداخل فيها عوامل الحرب، والفقر،وسوءالإدارة،وتجاهل الدولة لواحدة من أهم ركائز التنمية التعليم.

الوضع الراهن يرسم صورة قاتمة. معظم المدارس الحكومية لا تصلح لاستقبال الطلاب. ملايين الأطفال خارج المنظومة التعليمية، ومعدلات التسرب كبيرة جداً بينما يُستخدم عدد كبير من المدارس كملاجئ للنازحين بسبب الحرب الدائرة منذ أبريل ٢٠٢٣م،المعلمون، الذين يُفترض أن يكونوا عماد النهضة، يعيشون أوضاعاً معيشية صعبة، بلا تدريب كافٍ، وبلا حوافز، وبلا حماية اجتماعية.

لكن رغم هذا الواقع المؤلم، لا يزال هناك أمل. فنهضة التعليم في السودان ليست مستحيلة، بل ممكنة إذا توفرت الإرادة السياسية، وتكاتفت الجهود المجتمعية والدولية. البداية يجب أن تكون بإعادة الاعتبار للمدرسة الحكومية، عبر خطة وطنية شاملة لإعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير بيئة تعليمية آمنة ومحفزة. يجب أن تُرفع مخصصات التعليم في الميزانية العامة، وأن يُعاد النظر في المناهج الدراسية التي عانت من التشوهات الأيديولوجية لعقود وعلي ان تكون المواد الاساسية السبعة اضافة لمادة الوطنية والبعد عن المواد الفارغة المضمون.

المعلمون يحتاجون إلى دعم حقيقي، لا شعارات. يجب تحسين رواتبهم، وتوفير برامج تدريب مستمرة، وتقدير دورهم في بناء الوطن. كما أن إدخال التكنولوجيا في التعليم، وتوفير أدوات تعليمية حديثة، سيُسهم في سد الفجوة بين السودان والعالم.

من المقترحات العملية،إنشاء صندوق وطني لدعم التعليم، يُموّل من الدولة والقطاع الخاص والمغتربين، ويُخصص لإعادة بناء المدارس، وتوفير الكتب، وتدريب المعلمين خارجياً وداخلياً. كما يجب إشراك المجتمع المحلي في إدارة المدارس، وتعزيز الرقابة الشعبية لضمان الشفافية.

التعليم ليس رفاهية، بل هو حق، وهو الطريق الوحيد للخروج من دوامة الفقر والحرب والانقسام. السودان لا يمكن أن ينهض دون تعليم قوي،ومدارس حكومية محترمة، ومعلمين مكرّمين، وطلاب يحلمون بمستقبل أفضل. إنها معركة وجود، لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى يخوضها الوطن.حفظ الله السودان وشعبه من كل فتنة ومن كل طامع في أرضه وكرامته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى